ويوم تبعث حيا


أمل هباني



عندما يتحول الفرد لفكرة، وتتحول الفكرة لمبدأ، ويحمل آخرون المبدأ، يزرعونه في الأرض لينبت وطناً وأرضا وناسا. حينها لا نقول ان الفرد يموت. بل هو حي يبعث في كل فكرة وفي كل مبدأ وفي كل فرد يعتنق المبدأ وفي كل فرد يغرس النبت لينبت وطنا وأرضا وناسا..
هكذا بعث الأستاذ محمود محمد طه في ذكرى اغتياله الربع قرنية. خمسة وعشرون عاماً والأستاذ يتخلق من جديد في أذهان من عرفوه وخبروه وعركوه من أتباعه ومعجبيه.. وفي أذهان قادمون جدد لم يروه ولم يلاقوه جسدا لجسد.. لكنهم لاقوه لقاء الفكرة التي تبعث الروح، وتنشئ علاقة صداقة وود واحترام لا تفنى ولا تزول لأنها تجاوزت الوجود المادي للعلاقات بين البشر.. لوجود روحي يسبح في فضاء عريض لا يعيقه الزمان ولا المكان.. لتصبح استاذيته صالحة، الآن وهنا، كما كانت صالحة حينئذ وهناك، ولأنه أستاذ كان موته درساً بليغاً لما تكون عليه الأستاذية.. وكيف أن الكبير يقدم روحه قربانا لفكره ورؤيته ولا يتخاذل ولا يتهاون حتى أمام المشنقة.. كما أن حياته كانت درساً بليغا.. وهذا العام يبعث الأستاذ من جديد على هيئة مركز الأستاذ محمود محمد طه وهو اتساع عمّا كان عليه الأمر في العام الماضي الذي اقتصر على ندوة أو مجموعة ندوات..

ومركز الأستاذ محمود محمد طه الذي افتتح يوم أمس، متزامنا مع الذكرى الربع قرنية لموته سيكون مصدر خير وفير للمجتمع السوداني لأن الأستاذ محمود محمد طه يربي ويعلم ويغير سلوك الفرد، ويساعد النفس على الإتزان والاستواء، لذلك تجد أن جل الأخوان الجمهوريين لديهم محاسن الخصال وطيب السلوك الفردي ما ليس عند غيرهم.. اتفقنا أو اختلفنا معهم فكريا.. وهذه التربية والتشذيب والتهذيب للنفس يتعطش إليه هذا المجتمع الذي يخلو من مؤسسات تربية الفرد وإصلاحه.. هناك كثير من الأشياء قد تكون محل خلاف مع (الجمهوريين) لكن هناك أشياء أكثر محل قبول واتفاق.. فلتكن هذه المساحة هي المنصة المشتركة للعمل مع المجتمع بكل فئاته وأطيافه، فمشروع يدعو كل مواطن ألا يرمي ورقة على الأرض.. لا يحتاج أن يكون مسلما أو مسيحيا، ملتزما أو غير ملتزم.. لكنه يعلم الفرد كيف يصنع مجتمعا صالحا ووطنا أصلح..
وهذه روح دعوة الأستاذ التي تجعله يبعث حيا بالأمس وغدا، ويوم تسود أفكاره الراقية المتحضرة كل قاعدة المجتمع السوداني وليس فقط صفوته وخاصته.

أجراس الحرية الأربعاء 20 يناير 2010