في ذكرى الأستاذ محمود: ربعُ قرنٍ منذ القتل بسبب الفكر! (3)


بقلم: د. النور حمد


ظننت أن حلقتي الثانية في الإحتفاء بالذكرى الخامسة والعشرين لإستشهاد الأستاذ محمود محمد طه ستكون الأخيرة، غير أن عديداً من الرسائل وصلتني على بريدي الإلكتروني تستزيدني في هذه الوجهة، الأمر الذي حدا بي إلى كتابة حلقتين إضافيتين. والحق أن ما يمكن أن يُقال عن الأستاذ محمود كثيرٌ، كثير. وهو لا تسعه بضع حلقات صحفية، وإنما يحتاج كتاباً كاملاً، وربما كُتباً. ولقد ظللت مشغولاً منذ ثمانينات القرن الماضي، بكتابة كتابٍ عن تجربتي مع الأستاذ محمود. غير أنني ظللت أرجئ الشروع في كتابة تلك التجربة، منتظراً أن تدخل التجربة برمتها أكثر في التاريخ، وتصبح رؤيتها بالنسبة لي أكثر وضوحاً. أيضاً كنت أتحين تغيُّرَ المناخ الفكري والثقافي في السودان، هوناً ما، وانقشاع سحابة التشويش، وانثلام أسنة قهر العقل والوجدان، التي طالما استخدمها الدين الرسمي المؤسسي، في الابقاء على سيطرة الموروث، الراكد والمحنط. فالأمور تسير، في عمومها، بفضل الله، نحو الأحسن. وهي، فيما أعتقد، لا تملك إلا أن تسير نحو الأحسن، كان على ربك حتماً مقضيا. قال الأستاذ محمود، الرجل الذي لم تعرف همته اليأس في يوم من الأيام: ((سيكون يومنا خيراً من أمسنا، وسيكون غدنا، ما لا عينٌ رأت، ولا أذنٌ سمعت، ولا خطر على قلب بشر!!)). نعم، هناك انتكاسات، وهناك فترات ركود تحدث، هنا، وهناك، غير أنها لا تؤثر في حقيقة أن المسار يظل، في جملته، مساراً صاعدا. روت لي زوجتي أسماء إبنة الأستاذ محمود موقفاً جرى لها في آخر زيارة لها لأبيها في سجن كوبر, قالت إنها قالت له أننا ـ أي الجمهوريين ـ تحركنا بشدة وسط النقابات، ووسط السياسيين، ووسط قادة الرأي، وسائر وجوه المجتمع، وأن ضغطاً على النميري بدأ يتشكل. قالت لي أسماء أنها عرفت لاحقاً أنها حين قالت ذلك، كان التفكير بالأماني طاغياً عليها، وذكرت لي أن الأستاذ محمود نظر إليها نظرةً مركزةً، وهي تقول ما تقول، وأنها لم تدرك مغزى تلك النظرة المركزة في تلك اللحظة، وإنما أدركتها فيما بعد. قالت إنها عرفت لاحقاً أنه نظر إليها تلك النظرة المركزة، ليجعلها مهيئةً لرحيله، متصالحةً معه، فقد أحس أنها مملوءةً أملاً. قالت إنه قال لها عقب تلك النظرة المركزة: ((الناس ما بجوا معاكم في الضربة الأولى!!)). قال لها ذلك، ولم يزد عليه! وقالت هي إنها لم تفهم مغزى تلك العبارة، ساعتها، وإنما فهمتها مع غيرها من الجمهوريين والجمهوريات، لاحقاًً.
الشاهد أن الأوضاع آخذةٌ في التبدل، ولسوف يتسارع إيقاع التبدل هذا. ويكفى أن يشير المرء في هذا الموضع إلى أن الذين سبق لهم أن بصقوا على وجوهنا، وسددوا إلي أجسادنا اللكمات، والركلات، وهووا على رؤوسنا بالعصي، في ساحات جامعة الخرطوم، وغيرها من الأماكن، في نهايات سبعينات القرن الماضي، وبدايات ثمانيناته، قد أصبحوا اليوم رجال دولة. وربما أخذ بعضهم، مع تقدم السن، واتساع المدارك، واكتساب الحكمة، يخجل، ويعحب، من صنيعه مع الأستاذ محمود، ومعنا.
ظللت أحس أن من واجبي تجاه نفسي، وتجاه مرشدي، وتجاه السودانيين، وتجاه تاريخ البلد، وثقافته، أن أكتب كتاباً عن تجربتي في العمل الجمهوري. فنحن قد عايشنا الأستاذ محمود، يوما بيوم، ولمددٍ طويلةٍ، تتفاوت في الطول بين واحدٍ والآخر. وأرى أن هذه المعايشة اللصيقة للرجل تلقي علينا مسؤولية وضع تجربتنا معه بين أيدي الناس. فالأستاذ محمود محمد طه شخص أستثنائي، من أي النواحي أتيته. لم أر في حياتي شخصاً مؤمنا بالغيب، مرتبطاً به بذلك الشكل العضوي، كالأستاذ محمود. ولم أر إنساناً جذاباً، متفهما للآخر، ومتعاطفاً معه مثله. أيضاً لم أر شخصاً متمدناً، متحضراً مثله. كان حاضراً ومحققاً لحالةٍ مدهشةٍ من الجمعية الروحية والحياتية. وصفه أحد زواره من الباحثين الغربيين الذين يأتوت زائرين، بقولهً: He is altogether. وبالفعل، فقد كان الأستاذ محمود شخصاً منجمعاً على بعضه، لبق الحركة، مقتصدها. كان حين يحدثك، يحدثك بكلِّيته، وحين يستمع إليك، يستمع إليك بكلِّيته. رأيته كثيراً وهو يحلق لحيته، فلم أر انساناً كلفا بالتجويد والإحسان مثله. ورأيته مرة يصلح البلاستيك في كرسيٍ تهتك نسيجه، فقد كان يرى أن إصلاح الخلل الذي يطالعه، حين يطالعه، واجباً مباشراً، لا يحتمل التسويف، ولا يحتمل الإحالة إلى الغير. ووجدته مرة يغسل برميل الماء في باحة المنزل، فحاولت جذب البرميل منه ليترك غسله لي، فرفض بإصرار، ولم أملك بعد شدٍ وجذبٍ، ألا أن أتركه له ليكمل غسيله بنفسه! فهو لم يكن يرى أن علمه، أو تحقيقه الروحي، أوسِنَّه، تمنحه مزيَّةً وامتيازاً على أي إنسانٍ آخر!
من زاويتي التي رأيت منها مشهد الأستاذ محمود، أستطيع أن أقول إن السودانيين لم تتيسر لهم فرصة أن يعرفوه، كما ينبغي. فقد حجبت الأستاذ محمود عن الناس عوامل شتى. وتجربتنا نحن الذين تتلمذنا عليه، لم تُعرف هي الأخرى، كما ينبغي، أيضاَ! هي لم تُعرف حتى من أصدقائنا المقربين، الذين حين رأونا ندير ظهورنا لصداقتهم، بكل ما فيها من مرح الشباب، وطلاقته، وكل ما في الحياة الجامعية من شؤونٍ وشجون، ظنوا أن مسَّاً من دروشةٍ أصابنا!! الشباب الذين أهطعوا إلى مظلة الأستاذ محمود الروحية، اختاروا تلك المظلة، مُفَضِّلين إياها على مشاريعهم الشخصية، وعلى حريتهم الشخصية، لأن حريةً من نوع آخر طالعتهم هناك. حريةٌ من رق العادة، ومن سجن النفس وظلماته وكدوراته. الذين اقتربوا منه تحدوا في اقترابهم ذاك، سلطة الأسرة والأقارب، وما تتضمنه تلك السلطة من مشاريع مرسومة سلفاً، تمثل لدى العقل الجمعي، الوصفة الأبهى، والأكمل، لنجاح الإبن الطالب، والبنت الطالبة. وأكاد أجزم أن فضولاً عارماً ظل يعتمل في نفوس الكثيرين، لكي يعرفوا التجربة الجمهورية من أفواه من عاشوها. أي أن يروا الدائرة الجمهورية بعينٍ داخلية. وما من شكٍ أن رؤية تلك الدائرة من خلال عينٍ داخلية سوف تُجلي الكثير من اللبس، وسوف تسهم في موضعة التجربة برمتها في الإطار الصحيح، الذي ينأى بها عن جنوح التهويمات المتخرصة، ومن شائعات التشويه المتعمد، ومن الغرائبية التي تلف مخيلات الذين تستويهم مناخات الواقعية السحرية.
جئت إلى الأستاذ محمود، وأنا طالب في السنة الثانية بكلية الفنون الجميلة والتطبيقية، في العام 1972م. ومن يوم أن رأيته، لم أبرح ساحته حتى وقفته المشهودة في الثامن عشر من يناير من العام 1985م. والذي يرى الأستاذ محمود ـ مبغضاً له حين جاءه، أو محباً له ـ لا يخرج منه مثلما دخل إليه. يترك الأستاذ محمود أثراً في زائره، لن يُمحى. فهو ممن تحققوا، دون أدنى ريب، بما قاله السيد المسيح عليه السلام: ((كلمتي لا ترجع إليَّ فارغة!!)). فللرجل جاذبيةٌ روحيةٌ لا تخطئها عينٌ، مهما كان نصيب تلك العين من العمى! فقد وُهب الأستاذ محمود حسناً آسراً من حضرة الجمال، يسبي فؤاد كل صبٍّ، مدنفٍ، منجذبِ إلى عالم الحقائق. كما أن له سطوةٌ باطشةٌ من حضرةِ الجلال، تزلزل فؤادَ كل مُكَذِّبِ ميالٍ إلى الإنكار! وهذا أمرٌ قديمٌ، معروفٌ، متواترٌ ذكره في سير الصالحين، يعرفه كل من مخر بحار الروح، وشم شميم حضراتها القدسية الشَّذِيَّة. وتلك عوالم حُرم من ارتيادها متسنمي الوظائف في هياكل الدين المؤسسي الرسمي، ومن شاكلهم من تجار الشعار الديني.
قال العارف النابلسي:

لقد نظرتْ قومٌ بطرفٍ لهم قذي
فلم يشهدوا إلا حجابَ جمالِ ذي
وقومٌ لقد شمُّوا شذى روضِها الشَّذِي
يقولون لي ما العلمُ؟ ما السرُّ؟ ما الذي،
هو الجوهرُ الغالي؟.. عن البحرِ خبِّرنا!!

حين جئته كنت شاباً، شارداً، قلقاً، منكوش شعر الرأس، أرتدي بنطلون "جينز" رخيص، صيني الصنع، فوقه قميص مشجر، كان بعضاً من لبوس طلاب الفنون الجميلة، في تلكم الأيام. حين جئته، كانت تمور في رأسي أخلاطٌٌ من أفكار ماركسية، ووجودية، مضافاً إليها كثيرٌ من قلق المشتغلين في حقل الفنون، واغترابهم عن محيطهم. كنت مُسْتَلَباً بالكلية، لعوالمَ أجنبيةٍ متوهَّمَة ـ أعني، عوالمَ فكريةً، وروائيةً، وشعريةً، وتشكيليةً، طفقت أتسلح بها في مواجهة بؤس المحيط وعوزه الفكري، وجدبه الروحي، والوجداني ـ قرأت كتب الرجل، وسمعت بعضاً من محاضراته من الأشرطة في بيت الصديق، عمر صالح، وهو بيتٌ مطلٌّ على النيل الأبيض، في ضاحية اللاماب بحر أبيض. كان يدعونا لجلسات للإستماع وللمناقشة تلك الأستاذ الراحل إبراهيم قرني، ويؤمها معي من طلاب كلبة الفنون، كلٌ من خلف اللله عبود، وحسن موسى، ومحمود عمر محمود، وأستاذنا عبد الله بولا. كانت اللاماب بحر أبيض، حينها، قريةً مبعثرةً تسعى ببطءٍ إلى استكمال هيئتها العمرانية. طالعني فيما قرأته للأستاذ محمود وما سمعته منه في أشرطة التسجيل شئ مختلف. كان في حروفه وصوته نفسٌ مغاير لذلك النفس الفاقد للحرارة، الذي كان يخنق أنفاسي في حصص الدين المدرسية، التي كنا نعبر أكثرها، ونحن نيام. سلسلة من الترديد الميت الفاقد للحرارة، ظللنا نُجلد بها منذ المرحلة الإبتدائية، وحتى نهاية المرحلة الثانوية. هذا الموات المكرور، هو ما نفَّرني من الدين، وجعلني أدير ظهري له، ولثقافتي، وسائر إرثي الفكري.
شيء ما قادني إلى منزل الأستاذ محمود في مدينة المهدية، ذات نهارٍ قائظٍ، من تلك النهارات التي تعطيك شعوراً وكأن العالم مقبل على نهايةٍ وشيكة، أو أن كارثةً ما سوف تحل بأهل الأرض. وجدته في بيته الطيني البسيط، الواقع في منتصف الحارة الأولى، وكان بيته من بين البيوت الأكثر تواضعاً في المظهر، مقارنةً ببقية البيوت. كان على جنوب المنزل ميدانٌ ترابي، مثلث الشكل، ومن غربه ميدانٌ ترابي آخر، مربع الشكل. طرقت الباب وجاء شاب في مثل عمري آنذاك، وفتح لي. حدست أن ذلك الشاب من أقارب الأستاذ. أدخلني الشاب إلى صالون البيت المتواضع المؤثث بالأسرة، وبضعةٍ من كراسي البلاستيك. وحين جاءني الشاب بكوب من الليمون، دخل الأستاذ محمود وهو يرتدي عراقي "ساكوبيس"، وسروالاً سودانياً تقليدياً، لعله من قماش الدبلان القطني الشائع لباسه آنذاك. كما كان يعتمر طاقية بيضاء يظهر من تحتها شعره الأشيب. كنت في بداية العشرينات من عمري، وكان في بداية الستينات من عمره. جئته أحمل حمولاً وهموماً وقلقاً وجودياً ناء بثقلها جرمي الغض، وكنت في أمس الحاجة إلى ركنٍ ركينٍ، أُجَبِّرُ به عودي الطري، حتى يطيق ذلك الحمل الثقيل.
لاحظت فيه حين جالسته، شيئاً يجمع بين الأبوة والصداقة. فهو من حيث الهيئة، أب مثل سائر الآباء. أما من حيث ما ينشأ بينك وبينه من ارتباط لحظي، وثيق، فهو أقرب إلى الصديق. شيءٌ ما في سمته، وهيئته، يجعلك تتصرف على سجيتك. ويجعلك تخلع عنك ثوب التحفظ الزائد الذي يتلبس الشباب رغماً عنهم، حين يجالسون الكبار. ولقد كنت أحوج ما أكون إلى تلك الحالة التي طالعتني منه. فطبعي يميل إلى النطق بما يدور في رأسي. ولا شيء يرهقني مثل التحدث بخلاف ما أفكر فيه! هالتني بساطة الرجل، واتسعت الشقة في ذهني بين الرجل الذي كنت أسمعه في أشرطة المحاضرات، والذي كنت أراه بين سطور كتبه البديعة السبك، وبين الرجل الماثل أمامي، الذي لا يختلف في شيءٍ، عن أبي، الحاج، محمد ود حمد، المقيم في حلة حمد الترابي! سألني من أي مكان أنا. فقلت له: أنا من حلة حمد الترابي. فتهلل وجهه، واعتدل في جلسته، ومال نحوي، رغم أن عرض الصالون الذي ضمنا، كان يفصل بيني وبينه ببضعة أمتار. فقد كان يجلس على كرسي بلاستيك مستندا إلى الحائط الشرقي من الصالون، وكنت أجلس على سرير يستند إلى الحائط الغربي. مال نحوي في حنوٍ وقال لي باهتمام شديد: الشيخ حمد الترابي جدك؟ فقلت له نعم، فتهلل وجهه أكثر. غير أني استطردتُ قائلاً: جدي المباشر من جهة آبائي هو الشيخ "نَنَّة" الترابي، وليس الشيخ حمد. فالشيخ حمد جدي من جهة أمهات أجدادي. فضحك وقال لي: (كمان دا أكبر!!)، ثم شرع يحكي لي عن كرامات الشيخ نَنَّة وكيف أن الشيخ نَنَّة" هو الذي أخرج بكراماته شقيقه حمد من تدريس الفقه، إلى السلوك في درب التصوف، واستطرد في الحكي، وكان كل ما حكاه مطابقاً لما كنت أسمعه في طفولتي من أبي ، وقد كان أبي راويةً لقصص الأولياء، وكان نسَّاباً حافظا. ولقد حفظت قصصه تلك، ووجدت كثيراً منها مثبتاً في كتاب طبقات ود ضيف الله، بعد أن قرأتها لاحقاً. صدمني الأستاذ باحتفائه بخلفيتي الصوفية! تلك الخلفية التي أدرت لها ظهري تماماً، منذ أيامي في حنتوب الثانوية، ولم أعد أراها سوى بعضٍ من الخرافاتِ المتوارثة لأهلي الذين تغلب عليهم الأمية! وكنت أظن أنه معي على نفس المركب، في النفور من سير الكرامات! وتشعب الحديث بيننا، وأذكر أنني قلت له في منطقة من مناطق تشعب ذلك الحديث العفوي، إنني لا أفهم كيف يطيب لبعض البيوت الطائفية أن تتلقى جوال تمرٍ من إمرأة عجوزٍ، فقيرة، في المديرية الشمالية، هي أحوج ما تكون إلى ذلك الجوال، الذي لا يحتاجه البيت الطائفي الموسر في الخرطوم! صمت لفترة ثم قال لي: ((ما بتفتكر أنُّو الراحة النفسية البتلقاها المره دي لمن ترسِّل الشوَّال ده، أهمًّ ليها بكتير من الشوَّال؟!)). صمتُّ، ولم أجب، وإن كان "شيئاً من حتى" بقي في نفسي لحظتها!
كانت تلك هي ضربة البداية. رجل يبدو في كتبه، وفي أشرطة محاضراته عقلاً جباراً، ويبدو في بيته مثل سائر الآباء، من غمار السودانيين. ترى في كتبه وفي محاضراته سطوة العقل الحداثي، وجبروته وسيولته، ويقظته، ومهاراته التحليلية التي تفترس القديم والراكد افتراسا. وحين تجلس إليه يحدثك عن كرامات الأولياء بشيءٍ شبيهٍ بما يتحدث به العامة! زعزعني منه ذلك الوجه، الذي ظننته، حينها، وجهاً تقليدياً، وربما مغرقاً في الخرافة، ولكني امتصصت الصدمة، فصورة المفكر المتمكن العارف لما يقول، الواضحة في متون كتبه، طغت عندي على ما صدمني منه في تلك الزيارة، من حديثٍ عن كرامات الأولياء. وبما أنني أميل، بطبعي، إلى التصديق، أكثر من ميلي إلى الإنكار، فقد آثرت أن أفكر في الأمر، وأقلِّب وجوهه. ولقد ظللت أقلب تلك الوجوه طيلة فترة تتلمذي عليه. كما واصلت التقليب حتى يوم الناس هذا. عبر النمو الإدراكي الذي تتيحه التجربة والتقدم في السن، وعبر القراءة المعمقة والموسعة، وعبر الدراسة في الجامعات الأمريكية، خاصة، في مجال الإنسانيات، عرفت، بما لا يدع مجالاً للشك، أن العقل الحداثي، المُنكر للماورائيات، ليس سوى عقلٍ بسيطٍ، مغرورٍ، متعجل. وعرفت لِمَ كان الأستاذ محمود لا يمل القول بأن العلمانية ليست علمية!! وهذا حديثٌ لا تتسع له مثل هذه المقالات، فمكانه هو الكتب. (يتواصل).

(صحيفة الأحداث – 25 يناير 2010)