الحركة الانسانية الجديدة
بتوحيد الكفاح الروحى المستند الى الصلاة مع الحراك الاجتماعى السياسى المسلمى القائم على إضافة المعرفة عرض نقدى لكتاب : البحث عن الالوهية : تحليل نقدى لفكر محمود محمد طه
المؤلف محمد محمود : مطبعة جامعة سيراكوز 2007م بالانجليزية
( ورقة لندوة بمناسبة الذكرى 28 لإستشهاد الاستاذ محمود محمد طه 18/1/2013)


المؤلف : كانت إصدارة اليقظة المناهضة للفكر الاصولى من ابرز معالم الساحة الفكرية فى جامعة الخرطوم فى الحقبة الحرجة الممتدة من قوانين سبتمبر 1983م وتأسيس الحركة الشعبية لتحرير السودان بقيادة العقيد جون قرنق ،الى محكمة الردة وإستشهاد الاستاذ محمود ، الى إنتفاضة ابريل 1985، الى الانقلاب العسكرى فى يونيو 1989م . لم يساور الدكتور م. أ. محمود ، صاحب مشروع "اليقظة" الذى كان فى ذلك الوقت يقوم بالتدريس فى قسم اللغة الانجليزية بكلية الاداب بجامعة الخرطوم، ادنى شك فى طبيعة الانفلات الذى هاجر بسبها الى بريطانيا، فعمل بالتدريس اولاً فى معهد الاستشراق فى جامعة اكسفورد ، ثم استاذاً مشاركاً فى قسم الفلسفة المرموق فى جامعة تافتس فى بوسطن بالولايات المتحدة ، ومحرراً مناوباً لمجلة Islam & Modernity والكتاب الذى بصدده نحن الان Quest for Divinity A Critical Examination of the Thought of Mohamed Taha ثمرة من ثمرات مشروع اليقظة التنويرى الذى نذر الدكتور محمد محمود له نفسه . وقد نشرت له اوراق عديدة فى الدراسات الاسلامية فى المجلات العلمية المختصه. وهو يكرس وقته الان لدراسة اكاديمية متعمقة فى القران الكريم . ويشيرالمؤلف فى هذا الكتاب لحواراته المباشرة مع الاستاذ محمود، لكنه لايفصح ان كان إنخرط فى حركة الاخوان الجمهوريون ابداً.
الكتاب: يبدأ الكتاب وهو يقع فى 510 صفحة بخلفية تعريفية عن الاسلام فى السودان (ص1 – 11) تعقبها 6 فصول وخاتمه. الفصل الاول (ص 12-40) بعنوان "السياق والرجل والحركة" يقدم الرجل وعالمه : المؤثرات الرئيسية التى شكلته روحياً وفكرياً، الخلفية الصوفية للاسرة الممتدة التى ترجع ذاكرتها الحية لجده الاكبر الشيخ الهميم، التعليم الرسمى فى سياق الحداثة الاستعمارية والغربية المتنافسة .ويركز الفصل على دور الاستاذ طه كمفكر وناشط سياسى ، كما يحلل بعض جوانب الحركة التى قام بتأسيسها . وهو يقع فى 5 عناوين فرعية هى : الحياة الباكرة والنضال ضد الاستعمار ، اكتشاف الطريق الصوفى ورؤية جديدة فى الاسلام ، مابعد الاستقلال : الافق المراوغ والاستشهاد، الحركة الجمهورية : من إندفاع الحماس الانقاذى الى الشلل ، تكوين طه الفكرى. والفقرة الاخيرة لهذا الفصل التى انقلها هنا توجز الصورة المشرقة التى رسمها المؤلف لفكر ومنهج وديناميكية الرجل والحركة التى اسسها :
1/ إن مبدأ التغيير محورى فى إدراك طه لدوره الشخصى كمثقف . فالمثقف المثالى فى تقديره هو الشخص الذى يتحرر عبر ثورة فكرية يجتازها للتخلص من ادران جهالته ومخاوفة واهوائه الفكرية . انه المثقف الذى يجتمع لديه شغف المعرفة مع الحركية التى تتطلبها مهمة تغيير العالم، اى بكلماته بجمع العلم مع العمل ، وذلك لان مهمة تغيير العالم الرهيبة تستلزم قبل كل شئ تغيير وتجديد الذات المستمر . واذ ظل طه يردد ذلك كثيراً فانما لانه كان يستلهم الاية الكريمة التى كان يرى فيها النموزج مثل الاقتداء البشر، "كل يوم هو فى شأن". لقد امن طه ان حياته الخاصة لم تكن الا مسعى لتكريس هذا المثال ، وان بوسعه توفير الارشاد والقيادة للاخرين لتحقيقه ، وذلك بتوحيد الكفاح الروحىالمستند الى الصلاة مع الحراك الاجتماعى السياسى القائم على المعرفة لتغيير العالم.
الفصل الثانى (ص 41-75) بعنوان "نظرية الصلاة : العبادة الفردية والاصالة" يتناول نظرية طه المثيرة للجدل عن الصلاة والعبادة الاسلامية . انه يضع هنا تجربته الصوفية الشخصية فى قالب هذه النظرية، ويقدمها كإطار جديد يعيد بموجبه تعريف مفهوم الصلاة والعبادة الاسلامية ، مرسخاً بذلك مكانته كصوفى راديكالى بلا منازع ، إن نظرية طه يتم تحليلها هنا فى إطار ارثه الصوفى من ناحية ، وفى إطار إدراكه الحداثى بتركيزه على مفهومه للفردية من ناحية ثانية. وهذا التفاعل الديناميكى بين الصوفى والحداثى يضع الاساس للطريقة التى يعالج بها طه النص القرانى فى الفصل الثالث (ص76-104) إذ وضع له عنواناً هو: الحتميه وحرية الإرادة والعقاب لالهى.وفى الفصل الخامس (ص132-178) وعنوانه : من الرسالة الاولى الى الثانية للاسلام، يحول الاستاذ اهتمامه للرسالة الاجتماعية . وهو يستجيب فى صيغته للشعور العميق بالازمة فى الاسلام الحديث ، ولما ادركه عن عجز مطبق للعلماء التقليدين فى الاستجابه لها. كذلك فهو لم يجد إستجابة وافية فى اعمال المحدثين الاخرين . وبالتاكيد فإن ما قدمه يمثل الطرح الاعمق والاكثر راديكاليه مقارنة باى مصلح دينى إسلامى حديث. اما الفصل السادس والاخير (ص 179-214) وعنوانه : التطور والشريعة والفن ، فيغطى ثلاث موضوعات برزت بدرجات متفاوته فى مؤلفاته ، وهى موضوع العلم على الاخص نظرية التطور وموضوع القانون الاسلامى ، بالذات قانون العقوبات والفنون الجميلة . توفرت رؤيته لهذه الموضوعات تعريفاً اشمل لفكره ومشروعه الاصلاحى . واشدد هنا على ابراز المؤلف لتفسير قصة الخلق القرانية بما يزيل اى تناقض بين العلم والدين. فالعلم التجريبى الذى نفهمه الان ويفسر تجريبياً الظواهر الطبيعية من الانفجار الكبير من قرابة 15 بليون سنة الى خلق المجرات والنجوم والكواكب ثم ظهور الحياة فى الارض قبل نحو 4 بليون سنة ثم تطور الحياة الى ظهور الاوادم التجريبين ، واخيراً ادم الخليفة الذى كان مثاله فى الجنة ، قبل نحو 40 الف سنة . كل هذا يتسق بالارادة الالهية التى تسرى فى الكون كله ، بما يجيب هذا التطور فى مجمله والوجود فى وحدته ، تطور الانسان الذى هو غاية كل شئ فى الوجود . اخيراً تاتى خلاصة المؤلف للكتاب (ص 214-222)، وهى تحتوى عرضاً وافياً ومنصفاً وموجزاً ومحكماً لاطروحات الاستاذ محمود محمد طه ولتقييم المؤلف لها. ونسبة لعدم توفر نسخ الكتاب ، ولعدم وجود ترجمة عربية حتى الان ، فقد قمت للاسف على عجل ، بترجمة كاملة للخلاصة ، امل ان تفى مؤقتاً لغرض هذه الندوة ، اشير اخيراً الى ان المؤلف إستخدم 27 مؤلفاً من مؤلفات الاستاذ محمود فى دراسته التى حوت الإشارة الى 362 مرجعاً وضمت 475 حاشية.




خلاصة المؤلف للكتاب
على الرغم من ان الاستاذ طه ينتمى لمدرسة المجددين الاسلامين الحديثين فإنه لم يوفق فى بناء حركة على شاكلة حركة الاخوان المسلمين التى اسسها حسن البنا. فإنه اقرب لنموذج الامام محمد عبده الذى اسس مدرسة فكرية خلفت تراثاً تجديدياً استهدف احياء الاسلام بغية التغلب على ازمته فى العصر الحديث.
ولايقبل الاستاذ طه كغيره من المجددين القول بان الاسلام نفسه فى ازمة ، بل يرى ان الازمة تكمن فى فهم المسلمين لدينهم . وهذا التركيز على الفهم انما هو فى الواقع تركيز على الدور الذى يلعبه الوعى فى بناء العالم وإحداث التغير فيه. فبينما لايختلف الاستاذ مع ماركس بصدد العلاقة الحميمة التى تربط الوعى بالواقع المادى للوجود الانسانى فهو يرفض المقولة الماركسية بان الوعى يحدده الواقع المادى فى نهاية المطاف . ويقوده هذا التركيز على الوعى للنأكيد على رؤية اخرى مفارقة للماركسية الارثوذكسية. هى ان الفرد هو الغاية، وان له بالتالى الاولوية على المجتمع . لكن لان الفرد فى نظره هو مركز الوعى والحرية والفعل فان الفهم والفعل الفردى هو الذى يعول عليه لاحداث التحول فى الحالة الانسانية.
وبرغم تأكيده على النقيض، فمن الواضح ان مشروع طه الاصلاحى جاء استجابة لازمة الاسلام الناتجة عن عن مجابهة الحداثة الغربية والهيمنة الاستعمارية . ان طه ينتمى من حيث ثقافته لنخبة تشكلت بفعل التعليم الاوربى وتأثرت بقيم الليبرالية الغربية. ومع ان ذلك قاد اكثرية هذه النخبة المتعلمة لقبول القيم والمؤسسات العلمانية الا ان طه كان من بين الذين امنوا بأن الاسلام يمتلك العنصر الاساسى للحل الشافى لا المجتمعات الاسلامية وحدها وانما العالم باسره لم يكن طه مختلفاً فى هذا السياق عن سودانى اخر هو محمد احمد المهدى الذى امن بالطبيعة العالمية لمشوعة المهدوى. مع ان طه ارتأى فى المهدوية مفهوماً محدوداً تجاوزه الزمن وتعين استبداله بحركة عالمية عصرية، الا ان "وعد" الخلاص الدينى الكوكبى احتل موقعاً مركزاً فى فكره. فقد بعث الله النبى محمد بالدين الحق لينصره على الدين كله . وكان التفسير الدقيق لطبيعة هذا "الدين الحق" المهمة التى نذر طه حياته لها. مع انه لم يدع كونه "مهدياً" اومسيحياً على غرار ميرزا غلام احمد، مؤسس طائفة الاحمدية المتوفى فى لاهـــور بالهند ( باكستان حالياً) فى العام 1908م، لكنه زعم لنفسه موقعاً لاهله وفقاً لما ارتأه هو واتباعه، لمكانة منحته سلطة خاصة.
لقد منحت دعوى "الاصالة" الاستاذ طه سلطة يمكن تعريفها وتحديد طبيعتها بكونها "السلطة الاولية". فبينما استمدت دعوة المجددين الذين سبقوه كالسيد/ احمد خان والسيد/ امير على (المتوفى بالهند سنة 1928) والامام محمد عبده "سلطة ثانوية" استمدت مشروعيتها من سلطة الرسول (ص) الاولية ومن الحاجة الملحة للتجديد فإن طه زعم لنفسه الاصالة للدعوة لرسالة تلقاها فى لحظة اتصال مباشر مع الله، وهى لذلك اصالة مستمدة من سلطة اولية اتاحت له لا مجرد إستبانة الدين الحق وحسب، وإنما تتيح إجرائياً نسخ بعض ما ابقاه الرسول (ص) . لايعنى ذلك ان المجددين الاخرين لم ينسخواً بعضاً مما ابقاه الرسول (ص) ان ما يميز طه دعواه بان الرسول حجاب بين العبد و الخالق تنبغى ازالته، ان تقليد الرسول (ص) برغم ضرورته، يعتبر دالة على عدم النضج الروحى الذى لايزول إلا حينما يتجاوزها الفرد الذى تحق له حينئذ دعوى بلوغ النضج. من الواضح ان مدلولات هذا الطرح الكاسح بعيدة المدى. انها تعنى ان سلطة موازية لسلطة الرسول (ص) يمكن ان تتأسس، وان سيرورة متصاعدة لتجاوز الافق النبوى يمكن ان تنشأ، كألية لتجديد الاسلام. وهذه السيرورة يمكن تعريفها ب " التهميش النبوى".
إن التهميش النبوى يبدو نتيجة منطقية ومعقولة للتجربة الصوفية التى تعلى وتؤكد بطبيعتها جانب الاتصال الشخصى بالذات الالهية. وتبرز هذه الخصيصة المميزة بوضوح فى تجربة كل من البسطامى والحلاج وإبن عربى، على سبيل المثال . كذلك يمكن إقامة الحجة على انه بنظرية الاستاذ محمود محمد طه للصلاة فإن فكرة التهميش النبوى قد بلغت زروة الوضوح وقمة النضج. فهو إذ يشخص الصلاة الاسلامية العادية بكونها صلاة "التقليد" او "الحركات" او "المعراج" انما يرصدها اساساً من منظور صلة العابد/ الرسول صلى الله عليه وسلم. فالعابد الذى يؤدى صلاته وفقاً لنظرية الاستاذ طه ويكون مفعماً بروح التراتوبية الطقوسية-الروحانية انما تتنمى صلاته العادية للمستوى الادنى الذى يتجلى بعده وعد المستوى الاعلى "الاصيل" لعلاقة العابد/الاله . وذلك يعنى ان علاقة العابد بالرسول (ص) ذات طبيعة مرحلية فى جوهرها ويستخدم طه ان يشدد على الطبيعة المرحلية لهذه العلاقة التعبير المجازى لسدرة المنتهى فى رحلة المعراج، وذلك فى إتساق تام مع التقليد الصوفى الراسخ، مكسباً بذلك السدرة اهميتها المحورية بوصفها اللحظة الفالصلة للعبور، لا عبور النبى وحده وإنما عبور كل عابد يرتقى من صلاة التقليد الى صلاة الاصالة.
كان من الطبيعى ان يقود مبدأ التهميش النبوى الاستاذ طه الى الى طريقة مميزة لفهم القران لقد تقبل الاعتقاد الارثوذكسى بان القران كلام الله ، ولكنه شرع فى إخضاع تعاليم القران لتجديد وإعادة بناء صوفى جزرى متبعاً لذلك استراتيجيتين. فمن ناحية اضفى على النص القرانى طبيعة متجاوزة للغة بحجة ان لغة النص لاتبدى الا معنى جزئياً سطحياً يخفى وراءه عالما معنوياً بلا حدود. فى هذا الصدد فهو يماثل الكلام الالهى مع الجوهر الالهى ، جاعلاً الإفتتان بالقران وفض دلالات طبقات الفاظة اللامتناهية رحلة باطنية فى ذات الله . ومن ناحية ثانية فانه يعيد قولية معتقد ان كلام الله، مودعاً اياه معنى متجاوزاً للنص: ان كلام الله هو كلية العالم الظاهر. لذا وبالمثل ، فان اكتشافنا للعالم وفهمه يعتبر "رحلة خارجية فى ذات الله" .
ان مايقوله طه عن كلام الله يرتبط ارتباطاً وثيقاً بمفهوم الاصالة الذى يتيح للعابد " التلقى كفاحاً " وهذا يعنى انه يقدر ما يكون ل "الاصيل" شهادته و صلاته وزكاته وصيامه وحجه الخاص فأن له ايضاً قرانه . وهذا يقود الى ما يمكن نعته ب "دمقرطة " المفهوم الاسلامى للتلقى المباشر من لدن الله الذى يكاد يماثل مع مؤسسة النبوة ويقتصرعليها. فبينما تتعلق النبوة بالاصطفاء القصرى فاظهار مشيئة الله وإرادته، فإن مايعده ويعلنه طه هو الشمول فى فى الحضور الالهى الذى يمنح كل عابد اصيل صوتاً إلاهياً، قرأناً شخصياً بفضل التلقى والاستماع المباشر من لدنه . ينبغى هنا ان ملاحظة طه لم يستخدم تعبير القران الشخصى ولم ترد منه الإشارة الى قران بديل للقران الكريم الذى تنزل على الرسول الكريم ، لكن هذا ما يفهم ضمناً مما كتبه وما يمكن الاستدلال عليه من نظرية الاصالة التى تستلزم شريعة، او ديناً خاصاً.
اما فيما يخص النص القرانى، فان قراءة طه تقوم على المقابلة الاساسية بين ايات الاصول وايات الفروع وذلك عملاً بالمذهب التقليدى للنسخ كبعض العلماء المسلمين المحدثين ، الا لانه وضع الافتراض السائد باحادية اتجاه النسخ موضوع ريبة وتساؤل. وذلك قاده الى الانقلاب التام على الاجماع التاريخى القائل بنسخ الايات المدنية النهائى للايات المكية السابقة عليها وجبها . لقد اكد امكان الضرورة القصوى للنسخ العكسى الذى تبطل بموجبه احكام الايات المدنية السائدة فتستعيد احكام الايات المكية السابقة للهجرة مكانتها . وقد اسس طه ذلك الافتراض الجسور على ان ماهو اساسى قد اوحى به فى الحقبة الباكرة للرسالة، لا التالية عليها . وفقاً لذلك فإن الاعتقاد التاريخ بالنجاح الابتدائى فى نشر "رسالة الاسلام" خاطئ او على الاقل ليس دقيقاً. فما انتصر على عصر الرسول وخلفائه لم تكن رسالة الاسلام الاولى الاصلية وانما الرسالة المخففة الملائمة لوسع المجتمع العربى الخارج من جاهليته. ومن هنا انبثق وعد الرسالة الثانية التى ارادها الله للانسانية وافصحت عنها الايات المكية، وهى التى تجمع لاول مرة فى تاريخ الانسانية ، المثل الديمقراطية والاشتراكية فى نسق سياسى إجتماعى يحقق العدالة الإجتماعية التامة.
ياخذ طه فى دفعه للرسالة الثانية بتاريخيانية ولا-تاريخانية القران فى ان واحد . فبينما تحتفظ الايات المدنية بتاريخانيتها فى نظره من حيث عكسها لواقع مجتمعنا التاريخى وتجاوبها معه ، فقد تنزلت الايات المكية بمستوى مختلف، اذ عكست واقع تاريخيانى مغايرا هكذا فاننا نواجه بمفارقة زمانية-مكانية فى قلب القران : تنزيل مدينى-مكى من ناحية ، وتنزيل انى مستقبلى ( او ماضوى –مستقبلى ان شئت) من ناحية اخرى . وكان لابد لهذه المفارقة ان تكون بسبب طبيعة مجتمع التنزيل الذى تميز بالغلظة (وذلك هو التعبير الذى إستخدمه طه للرواسب الجاهلية عقب الرسالة) ، وهى الحالة التى انعكست على مستوى التنزيل وسعت من افقه. ويدفع طه برؤيته التى تنتقص من قدر الاسلام ما بعد الهجرة فى مقابل دعوى الاسلاميين التقليديين الذين يجمعون على روعة التغيير الروحى والاجتماعى الجذرى، التحرر من حالة التقليديين الذين يجمعون على روعة التغيير الروحى والاجتماعى الجزرى، والتحرر من حالة الفساد والتفسخ الجاهلى ، دون ان يضعوا فى الاعتبار اى تمييز بين الرسالتين المكية والمدنية . وبالطبع فإن طه لايذكر التغيير الهام الذى احدثه الاسلام، ولكنه يرفض الاعتقاد التقليدى بان زمن النبى والخلفاء الراشدين من بعده كان العصر الذهبى للاسلام وذروة التاريخ الانسانى.
من الواضح ان طه بإصراره على سقوط (او قصور) مجتمع المدينة دون المثال القرانى من ناجية وعلى وعد اليوتيوبيا الاسلامية الذهبية الاتية من ناحية ثانية، يتبنى منظوراً تطويرياً تقدمياً مستلهماً من الماركسية. يثير هذا المنظور قضية هامة تتعلق بالتعارض البين بين الانثربلوجيه التطورية التى يناصرها (وهى تأخذ فى الاعتبار الإقرار بمشروعية اشكال الحياة الدينية الاولية بوصفها مراحل تطورية لازمة بلوغ الدين التوحيدى ) ، والمنظور القرانى الا-تطورى لمثال التوحيد الادمى الابتدائى الذى يتم احياءه وتجديده بسلسلة متصلة من الانبياء ليبلغ اوجه وختامه بالرسالة المحمدية . يحاول طه صرف هذا التعارض بتجديد او إعادة بناء قصة الخلق القرانية بحيث يستنبط تاريخاً بشرياً طويلاً مضطربا "لاوادم منقرضين" سابقين لانبثاق ادم الخليفة المذكور فى القران الكريم. لكن معضلة طه تظل باقية لانه يعجز عن تبيان المنهج الذى يتيح توفيق الانثروبلوجيا التطورية التى يتبناها مع الانثروبولوجيا القرانية التى تنظر الى التاريخ الانسانى فى ضوء مشروع اساسى للخلاص عبر الصراع المتصل بين الايمان والكفر.
ان طه ينسب وظيفة خفية رئيسية للقران كونه التعبير عن تنزل الجوهر الالهى من الاطلاق الى العالم المخلوق . وفى هذا المستوى فإن القران لا-زمانى ولا-تاريخى . وتمثل نظرية وحدة الوجود التى استعارها طه من اب عربى الاطار العام لهذا التعبير . إن مذهب وحدة الوجود يرى كل لحظة من لحظات الخلق لحظة كمال تام لانها تمثل الكلية الالهية . كما يتبنى طه موقفاً متطرفاً فيما يمكن تسميته "انية الوجود"، وهو الراى القائل بان كل الاشياء، سواء فى الماضى او الحاضر او المستقبل، انما تكون . وهو لا يفسر ولابفصح عن كيقية هذا الوجود فى مستوى قراءة التاريخ الانسانى الفعلى.
وإن دعوة طه للنسخ العكسى الذى يستعيد ويفعل الوحى المكى توفر مايعتبره الاساس القرانى لفكرة الرسالة الثانية للاسلام. وكغيره من بعض المحدثين فهو يدفع باساس قرانى للمفاهيم كالديمقراطية والاشتراكية والجندر والمساواة الاجتماعية، ولكن بخلافهم فهو يعتقد بان النصوص القرانية المعنية بهذه القضايا موقوفة وغير فاعلة، وانه لن يتم تفعيلها الا عبر النسخ االجزرى لاحكام الوحى المدينى، وان الاسلام لن يحقق مكنونة التحررى بكل عنفوانه الا بعد الغاء الاحكام وإعلان بطلانها وفقدان شرعيتها، إن طه لايستطيع ان يقدم لنا استناداً على النص القرانى او (مادة الحديث) صياغات تامة للديمقراطية والاشتراكية او الجندر او المساواة الاجتماعية بكل مافى الكلمة من معنى، وانما فقط إفادات مفرطة العمومية يتم إخضاعها لقراءات شديدة الانتقائية غير انه بالنسبة لطه، وكذلك لرصفائه من المحدثين ذوى المزاج والتفكير المماثل فإن ما يهم هو ما يلتمسونه من تصديق قرانى لمشروعاتهم. هذا التصديق يكفى لطه للدفع بمشروعه الذى يستنبط له التفاصيل من مصادر اخرى .
اما فيما يتعلق بايستومولوجية طه ورؤيته للعلم، فمن المهم ملاحظة انه برغم قبوله للعلم الحديث فانه ملتزم بايستومولوجيا دينية تحتكم الى الوحى ولاتسلم بالسببية. اما فيما يتعلق بايستومولوجية طه ورؤيته للعلم، فمن المهم ملاحظة انه برغم قبوله للعلم الحديث فانه ملتزم بايستومولوجيا دينية تحتكم الى الوحى ولاتسلم بالسببية. ن تعبير الوحى ينبغى ان يفهم هنا بالمعنى العام للمعرفة المتجزرة فى الالتقاء الانسانى /الالهى، ذلك الالقاء الذى لايقتصر على الانبياء وانما يشمل كل متعبد . اما فيما يخص المعرفة التى لايزعم صدورها عن الوحى ، فإن طه يبدى التباساً وغموضأً بيناً. فهو من ناحية ينظر الى المعرفة ككل ، وفقاً لمفهومه التوحيدى الذى ينسب كل شئ الى المشيئة الالهية، بانها ايضاً الهية المصدر. ومن ناحية ثانية فهناك ما يرى فيه معرفة زائفة او غير حقيقية، وهو يرفضها ويحاربها. مثال لذلك ما يقوله عن الالحاد الماركسى الذى يتعامل معه من جانب باعتباره صادراً عن المشيئة الالهية ( ذلك لانه ما من شئ خارجها) ، ومن جانب اخر فهو يقوم بتنفيذه خلال كل اعماله باعتبارها "معرفة زائفة".
هناك توتر شديد فى فكر طه ناشئ عن إشكال الحرية . فلسفياً فإنه يدافع عن عقيدة الحرية الفردية المطاقة . ولكن على المستوى الدينى فهو ملتزم بموقف جبرى صلب ينسب كل الافعال لله. وهذه الدعاوى المتعارضة عصية على التوفيق من جانب اخر من فكره، وهو تمسكه الشديد بالشريعة (و إن كانت شريعة معدلة فى بعض جوانبها) لكن الشريعة تفترض المسئولية الفردية الاخلاقية والقانونية، بينما جبرية طه الصارمة تنزع تلك المسئولية تماماً. وهو يحاول التغلب غلى هذا التضارب باللجوء الى استنباط حجة بعيدة الاحتمال قائمة على التعارض بين المعرفة الانسانية والمعرفة الالهية : بما ان الله وحده هو الذى يعلم افعال البشر المستقبلية، فما للبشر من حيلة سوى اتباع القانون الذى شرعه الله . لكن بما ان المسألة الرئيسية هنا لاتتعلق بمعرفة المستقبل وانما مجرد القدرة على اداء فعل ما، فانه لايبدو ان طه يأخذ بمدلولات جبريته بجديه. ان ما ينبغى تاكيده هنا هو انه من حيث الموقف العملى عوضاً عن النظرى، فإن طه يتعامل مع افراد البشر ومع التاريخ من منظور يستلزم حرية وإستقلال إرادة البشر .
إن التفاعل الايجابى بين تاريخ كلام الله وبين التاريخ والدين، موضوع رئيسى فى فكر طه يتبدى فيه جانباً من الفعالية والقصور فى ذلك التفاعل. إنه يركز فى المستوى الصوفى على كلمة الله التى يماثلها مع العالم المخلوق. وبهذا فان كلمة الله يمكن ان تتماثل ايضاً مع كلية التاريخ. وبالمقارنة فان الدين هو كلمة الله المتصلبة والمؤرخة والممأسسة. إن طه يشدد على التمييز بين كلمة الله والدين فى تمييزه بين عبارتى العقيدة والعلم: فبينما العقيدة خاصة فإن العلم عام، وبينما العقيدة تكيف العقل بطريقة التحيز والتشظى فإن العلم يحرر العقل ويوحده. وبهذا الشكل فمن الممكن تصور دين عالمى يتجاوز خصوصية الاديان التاريخية ويوفر افقأ روحياً اكثر حرية وشمولا. وهذا هو المستوى الذى يبلغ فيه الاسلام بالنسبة لطه طبيعة عالمية شاملة، فيصبح اسلاماً بالمعنى الاساسى للتسليم لله : اتساقاً تاماً مع المخطط الالهى للاشياء وتذويباً للذاتية الانسانية الفردية وإنصهارها فى الذاتية الالهية التى تحتوى كل الاشياء إنعتاقاً للانسانية ورداً لغربتها وعودتها لاصل وموطن الومضة الالهية فى دخيلة كل انسان .
ان هذا الخيال الدينى الرائع الابداع والمدمر فى نفس الوقت يكبحه إطار تفعيله. يلح طه هنا الولوج بمدخل تطورى يعترف للعقيدة بدورها بإعتبارها النقطة الابتدائية الاساسية : فالدين العالمى لايمكن تصوره الابوصفه ذروة لدين مؤسسى معين يكون التدرج الواعى فى مشقة عبوديته شرطاً مسبقاً لبلوغ الحرية . وهذا بالذات هو الموقف الذى يؤسس لما يسمى بمركزية طه الاسلامية . إن طه الذى يعتنق الموقف الاسلامى التقليدى يلح على القبول التام لدعوة الاسلام وهو الطريق الوحيد للخلاص وللدين العالمى . وهذا يلخص معضلة العمر بالنسبة لطه وربما لكل المحدثين الدينين المسلمين ، وغيرهم . فبينما هو يسعى لتوسيع افق رؤيته الدينية ومطابقتها لافاق الحاثة الاكثر تمدداً وشمولاً، فهو يدعو فى نفس الوقت لتلقيحها بقيم التقليد الدينى التى يرى انها إن لم تفعل تفقد روحها ويكون مقضياً عليها بالاستلاب والتغريب.
كان طه مفكراً مثيراً للجدل ، ظل يدعو المسلمين طيلة حياته، وبلا إنقطاع ، لإعادة النظر فى فهمهم لدينهم عل اساس الروحانية الفردية، علاوة على ذلك ، فقد اعاد فى المستوى الاجتماعى صياغة جديدة للاسلام امن ايماناً عميقاً بقدرتها على مقابلة الاحتجاجات والتحديات التى تجابه مجتمعات المسلمين الحديثة. وتظل رؤيته الصوفية ومشروعه للاصلاح من بين الاستجابات الاشد جرأة والاكثر اصالة لازمة الاسلام فى العالم الحديث.
تعقيب
توحيد الكفاح الروحى المستند الى الصلاة مع الحراك الاجتماعى-السياسى القائم على المعرفة لتغيير العالم، كألية للتطور الثقافى وكقوام لحركة انسانية جديدة.
1/ سيكون تعقيبى على الفكرة الجمهورية فى ضوء كتاب "البحث عن الالوهية " منصباً على ما ارى فيه الية التطور الثقافى الانسانى ودعوة لحركة إنسانية تطورية جديدة قوامها الايمان . واجد نفسى مضطراً للطرح فى شكل نقاط، لان الوقت لايكفى . وهذه النقاط تشكل مخططاً لمشروع امل ان يسمح الوقت لاحقاً بالتوسع فيه ومتابعته . وسانطلق فى تعقيبى من ناحية من زاوية تخصصى المهنى فى علم الاحياء التطويرى ، ومن ناحية اخرى من خلفية الفكر الماركسى والحركة الشيوعية.
2/ لقد امن طه ان حياته الخاصة لم تكن الا مسعى لتكريس المثال التطورى القرانى الذى تجسده الاية الكريمة ( كل يوم هو فى شأن)، وان بوسعه توفيرالارشاد والقيادة للاخرين لتمثله، وذلك "بتوحيد الكفاح الروحى المستند الى الصلاة مع الحركية الاجتماعية والسياسية لتغيير العالم" على ظريق تحقيق الرسالة الثانية للاسلام بهذا التعبير المركز كلى الايجاز اجمل المؤلف مشروع الاستاذ/ الشهيد للدرجة التى اتاحت وضع المشروع برمته عنواناً لهذا التعقيب .
3/ هذا المشروع يحمل كل سمات النموزج الارشادى اى البراديم، التى اوردها ثوماس كون فى "بنية الثورات العلمية" اولاً: ، المنظور والرؤية الجزرية الجديدة للعالم وما يتبعها من نقلة فكرية، paradigm shift ثانياً، توليد النظريات الجديدة وتفرعها كما يتبدى من من عناوين كتب الاستاذ/ الاسلام والفنون، الماركسية فى الميزان ، رسالة الصلاة ، الاسلام برسالته الاولى لايصلح لإنسان القرن العشرين، الرسالة الثانية، اسس دستور السودان ، الدين والتنمية الاجتماعية الخ الخ ، وكل واحد من عشرات المؤلفات تعتبر منجماً للنظريات والمفاهيم الجديدة المنبثقة من الفكرة الاساسية للنموزج الارشادى ، ثالثاً paradigm group اى ما يمكن تسميته المجتمع العلمى ، او المجموعة الارشادية – الاخوان الجمهوريون فى هذه الحالة. وقد تمتعت هذه الجماعة بترابط وحيوية مذهلة فى حياة الاستاذ . لاحظ المؤلف ان قراءات الكثير من الجمهوريين اقتصرت على كتبه ومنشوراته وحدها ، وان الشلل الذى اعقب الاستشهاد جعل من المجموعة "طريقة صوفية " اخرى، ما ينفى سمة الحيوية الفكرية والاستمرارية المميزة للمجموعة الارشادية . ولكن من الناحية الاخرى فإن الانتاج الفكرى الثر لعبد الله النعيم وغيره ، خصوصاً خارج السودان ومن غير السودانين ، والحيوية المصاحبة لهذه الاحتفالية المئوية تعد بتنامى المشروع الذى لم يعد ملكاً للجمهوريين وحدهم . وليس ادل على انفتاح المشروع وقابليته للنماء والانتشار ولكسب الانصار من الطرح الموضوعى المحكم الجانب للكتاب الذى بين ايدينا الان. رابعاً، الطبيعة العالمية للنموزج الارشادى . من الناحية النظرية فإن مشروع الرسالة الثانية يخاطب كل الناس ، ويدعو لتغيير العالم باسره. ومن الناحية العملية ، كما ذكر النعيم فى محاضراته السابقة هنا فقد طبع من كتاب الرسالة الثانية باللغة الاندونيسية وحدها عشرة الاف نسخة ، وربما كان هذا اكثر مما طبع من كل منشورات الجمهوريين فى السودان. كذلك كتب العلمانية من منظور إسلامى مختلف والكتب الاخرى النعيم وغيره ما لم ينقل للعربية ولم يصلنا بعد.
4/ تكمن اهمية النموزج الارشادى فيما يلى :
اولاً : انه يشكل نظرية صوفية للمعرفة الروحية ، معرفة بالبعد الالهى للانسان، لجانب المعنى والاخلاق والخير والجمال والغايات الانسانية ، وذلك عن طريق التفكر والتامل التعبدى . غير ان هذه المعرفة لاتخضع لبرهان الاثبات العلمى بالطريقة التى تخضع لها نظرياً العلم التجريبى علي اى حال فإن تعريف الاستاذ محمود للعلم لايقصره على المعرفة التجريبية العلمية القائمة على الحواس وحدها ، وهى النظرية المعرفية لكل العلمانين الوضعيين ، وإنما يقوم على التفاعل الايجابى الخلاق بين مصدرى المعرفة المادى والروحى ، وذلك مافعل الاستاذ فى كل كتاباته . لقد ذكر المؤلف ان نظرية الصلاة المعرفية تجعل من الاستاذ محمود رائداً راديكالياً صوفياً بلا منازع ، وهذا ليس دقيقاً تماماً ، اننى اود ان الفت نظر الدكتور محمد محمود للعلامة محمد إقبال الذى فعل نفس الشئ فى العام 1928م فى كتابه Reconstruction of Religious Thought In Islam وهو مجموعة 6 محاضرات متميزة القاها سنة 1928م فى جامعات كل من حيدر اباد وعليكره بالهند. استهلها بنظرية الصلاة وقد صدرت ترجمة عربية جيدة لهذا الكتاب بالقاهرة فى العام 2000م باسم " تجديد الفكر الدينى فى الاسلام" وعلى صدرها إذن مجمع البحوث الاسلامية بالازهر يعلن انه ليس فيه ما يتعارض مع العقيدة الاسلامية ولا مانع من نشره لكننى لم اعثر له على اثر فى معرض الكتاب فى دار النشر التى زعم انها اصدرته ولا فى اى مكتبه من مكتبات القاهرة منذ ذلك التاريخ .ويقينى ان هذا الكتاب الذى مولت نشره بالقاهرة الفترة الباكستانية لم يكن لينشر لو لا المكانة الاسلامية والعلمية العالمية للعلامة إقبال ، لكنه لم يعرض فى المكتبات المصرية ابدا بفعل فاعل . وقد حصلت على نسخة شخصية بصعوبة بالغة عن طريق السفارة الباكستانية.
ثانياً : إن هذا المشروع يلبى احتياجاً سودانياً وعالمياً فى نفس الوقت إن السقوط الاشد دوياً فى العالم ليس سقوط المشروع الماركسى الشيوعى ولكن سقوط المشروع الرأسمالى – الليبرالى –العلمانى فلننظر الى الاحداث الاشد دوياً فى عالم اليوم : غزة –الحرب على الارهاب –الازمة الاقتصادية . اى انسان عاقل يدرك ان الحل المثالى للقضية الفلسطينية هو ان يعيش اليهود والمسلمين والمسيحين فى دولة ديمقراطية بدستور علمانى ديمقراطى يساوى بين الحقوق والواجبات بين ابناء الوطن الواحد . هذا هو جوهر العلمانية. لكن سدنة العلمانية فى النظام الغربى المسئول عن محرقة اليهود هو الذى ينادى الان بالدولة اليهودية ومحرقة الفلسطينين . والتطهير العرقى بإجلاء من تبقى من الفلسطينين الى الضفه والقطاع . ولان النظام العالمى الذى يحقق الديمقراطية والوفرة للقلة على حساب الكثير لا يمكن ان يقوم الا على القهر ، فقد بشرنا الرئيس بوش ان الديمقراطية التى يقوم ببنائها فى العراق وينشدها لنا جميعاً تقوم على النمط الاسرائيلى . وكنتيجة منطقية هو ايضاً يبشرنا بأن الحرب على الارهاب الملازمة لهذه الديمقراطية باقية معنا الى الابد. وسدنة النظام ايضاً يترفون فى خضم الازمة الاقتصادية العالمية الراهنة ان الرأسمالية لايمكن ان تستمر بعد صورتها القديمة . اننا حقيقة نعيش فى حقبة إنهيار المشروع العلمانى القائم على وضعية المعرفة و تجريد الانسان من قدسيته والوهيته ، المشروع العالمى بشقيه الماركسى والشيوعى –العلمانى والراسمالى – الليبرالى –العلمانى . لقد صاحبت العلمانية الانتقال من المشروع الكلاسيكى الذى كان الدين جوهره الى المشروع الحداثى الذى اعقب الثورات البرجوازية وصار العلم جوهره لأن اعتقاداً خاطئاً ساد مفاده التعارض بين العلم والدين، وهو نفس الخطأ الذى ارتكبته الثورات الإشتراكية . لكن ليس فى الدين بمعناه الصوفى كإيمان وكبعد الهى للانسان ، ما يناقض العلم ويعارضه كما ابان الاستاذ محمود، وكما كتب الكثيرون ، وانما العكس تماماً هو الصحيح . هكذا نشأت الحركة الانسانية القديمة فى تعارض مع الدين ونحن الان بحاجة لحركة انسانية جديدة قوامها العودة الى الروحانية والايمان، ويكون محورها الغايات لا الوسائل، حركة تعلى من إنسانية الانسان وتتولى تطوير المكاسب المتمثلة فى الديمقراطية والتعددية وحكم القانون وترفع من جديد راية الحرية والإخاء والمساواة التى خانتها وتنكرت لها الثورات البرجوازية والاشتراكية على السواء. وهنالك نماذج ارشادية عديدة تصب فى نفس الهدف. اذكر هنا بالذات كتابات روحية جارودى الرائعة ومشروعه المماثل للمشروع الجمهورى. كذلك محمد إقبال . كذلك الكتابات الثرة التى تصدرها المطابع كل يوم وتقوم سلسلة عالم المعرفة الكويتية ومكتبة الاسرة المصرية بترجمة الكثير منها. والنموذج الارشادى الجمهورى رافد اساسى من روافد الحركة الانسانية التطورية الجديدة التى تستجيب لقضايا العصر. انه بتلك الصياغة مشروع عالمى عابر للاديان. ولايستدعى الإنخراط فى الحركة الانسانية التطورية الجديدة اٌنضمام للجمهورين ، لإذ نحن بصدد حركة اوسع مدى متعددة المصادر.
5/ طرحت فى سلسلة محاضرات سابقة من هذا المنبر الدعوة اللا النموذج إرشادى جديد يلبى احتياجاتنا الراهنة التى عجزت عنها كل القوى السياسية السودانية عجزاً تاريخياً عن مغالبتها. قلت فيما يخص المشروع الشيوعى، واقتبس هنا من خلاصة محاضرتى الثالثة عن علاقة الدين بالعلم والمشروع الحضارى "توصلت فى محاضراتى السابقة عن الماركسية والدين الى ضرورة فصل المكون العلمى من المكون الايدولجى فى الماركسية لكى تعدد للاشتراكية مصادرها وتتفتح خياراتها ونهاياتها ويعود الدين كله لله. ذلك المكون الايدولوجى المنطلق من إعتقاد ماركس الرومانسى باهلية الانسان. ذلك ال species being الذى تؤهله طبيعته وإجتماعيته ووعيه للتماهى مع الانسانية كلها، فيتجرد تماماً من الانانية السلوك اللا اخلاقى ويصبح "انساناً كاملاً" إذا ما تبنى وادار بنجاح برنامجاً سياسياً تلغى بموجبه المؤسسات الاجتماعية الثلاث التى انشأها بنفسه وقادت الى إستلابه وتغريبه، وهى الملكية الخاصة والدولة والدين، فيحل المجتمع الشيوعى حيث من كل حسب قدرته وكل حسب حاجته. هذا هو الاساس الذى استمدت منه أعمال ماركس إنجلز الناضجة اللاحقة وحركتها السياسية بمجملها اسم الشيوعية من المادية التاريخية والبيان الشيوعى الى ان راس المال ( انظر Economic & Philosophical Manuscripts + Critique of Hegel’s Philosophy of Right, in Karl Marx, Early Writings A. Penguin 1994) و كما ذكرت فإن الحزب الشيوعى يمكن ان يجدد مشروعه وان يسهم فى المشروع الارشادى الجديد إذا ما اعاد النظر بجدية فى امرعلاقة الماركسية مع الدين الخ، كأنما نحن فى معركة دعائية إنتخابية او ان المراد اثبات مقولة الدكتور حيدر إبراهيم ان الماركسية لم تدخل السودان. وقد كتب الاستاذ ابو ذر النيل مقالاً اضافياً فى الميدان بتاريخ 15 ابريل الماضى بنهج مختلف بعنوان د. فاروق وطبول الحرب على ماركس ختمه بتحدى ماركس لنقاده " لقد داوم ؤلاء الناس على لعن شيوعيتى بدرجة من الافراط بحيث يتوقع المرء منهم إظهار حكمتهم الان على الاسس النظرية هو ما ننتظر، نحن وماركس، ان يقدمه لنا د. فاروق محمد إبراهيم" ولا اتحدى الكاتب هنا لكن ادعوه وبقية الرفاق للتفكر فى النموزج الارشادى قيد البحث بالعمق والجدية التى يستحقها ما يستدعى نظرة موضوعية ناقدة لجانب الدين فى الماركسية، على غرار ما فعله جارودى واخرين.
6/ لننظر الى المشروعين العلمانيين، الرأسمالى الليبرالى والماركسى الشيوعى من حيث الغايات والاهداف البعيدة. المشروع الرأسمالى الليبرالى كما قدمه والتر روستو فى كتابه الشهير "مراحل النمو الاقتصادى : بيان غير شيوعى " حيث طرح خمس مراحل للنمو الاقتصادى مناظرة للمراحل الماركسية هى : المجتمع التقليدى، مرحلة مستلزمات ما قبل الإنطلاق، مرحلة الانطلاق للنمو الذاتى المتصل ، مرحلة النضج، واخيراً مرحلة المجتمع عالى الاستهلاك. ولا تحتاج حالة الامعنى والتفسخ المميز للمجتمع الاستهلاكى وخواؤه الى دليل. لكن هل يعدنا المشروع الشيوعى وفلسفته الوضعية بمصير أفضل؟ المنهج الماركسى، كما ينبئنا التقرير العام للحزب الشيوعى للمؤتمر الخامس، هو المنهج العلمى اى فلسفة العلم ، اى الفلسفه الوضعيه . هذا المنهج لايتيح تعالى الانسان ولايعده بمصير افضل كثيراً عن المجتمع الاستهلاكى الذى هو الان فى مهب الريح. بالمقابل فإن المشروع الإنسانى بالمفهوم الصوفى للدين والاخلاق، بالنهج الذى يجسده فكر الاستاذ طه، فالمصير هو الاستخلاف ، القرب من الله فى الصفات لافى المسافات ، وبنفس المعنى فالجنة والنار، كما يقول العلامة محمد إقبال ، هى حالات انسانية وليست مواقع فى الزمان والمكان . وبكلمات إقبال (ص 145 من تجديد التفكير الدينى فى الاسلام "اما الجنة والنار فهما حالتان ، لا مكانان ووصفهما القران فى تصوير حسى لامر نفسانى . اى لصفة او لحال. فالنار بتعبير القران هى (نار الله الموقدة التى تتطلع على الافئدة). هى إدراك اليم لإخفاق الانسان بوصفه إنساناً. اما الجنة فهى سعادة الفوز على قوى الانحلال) . من الواضح تماماً ان المفهوم الدينى لمعنى الحياة ومصير الانسان وللطبيعة الانسانية اعمق بدرجة لاتقارن بالمفهوم العلمانى بشقيه الماركسى والليبرالى....
7/ اود ان الفت الانتباه لسلسلة المقالات القيمة التى ظل يكتبها الاستاذ طه ابراهيم المحامى . ومع إتفاقى التام مع ما ذهب اليه بشأن فقه الوسع فى السلسلة الاخيرة "فقه الوسع وفكر محمود محمد طه" (1-5) "السودانى، 29 سبتمبر 2008"، فإننى اختلف فيما يخص نظرية المعرفة التى يقصرها ، كغيره من العلمانيين، على المعرفة التجريبية الى تصدر عن الحواس وحدها ، اى المعرفة العلمية . وهذا موضوع امل ان يتاح المزيد من الحوار حوله عقب إكتمال سلسلة المقالات.
8/ اشير الى ماذهب اليه المؤلف من رفض الاستاذ محمود للمقولة الماركسية "ان الوعى يحدده الواقع المادى فى نهاية المطاف". وليس فى تقديرى إختلاف . اظن اننا فى عصر المعلومات والكوكبة الذى اصبح العالم قرية كبيرة بمقتتضاه، يمكن ان نقلب مقولة ماركس راساً على عقب، بان وعى الناس هو الذى صار يحدد وجودهم.
9/ لقد فسر العالم ، والمهم تغييره، هكذا قال ماركس. وقد تبنى المشروع الماركسى برنامج العدالة والحرية والمساواة المطلقة الذى وعدت كل الاديان بتحقيقه، والهم ملايين المسحوقين بالنضاللاجله بالحراك الاجتماعى- السياسى المستند الى العلم، لكنه اغفل البعد الالهى للانسان، وهنا كان مقتل المشروع الماركسى الذى غير كل شئ فى العالم إلا الانسان. وقد ان الاوان للتصحيح عبر حركة انسانية جديدة تقوم بتوحيد الحراك الاجتماعى – السياسى المستند الى العلم مع الكفاح الروحى المستند الايمان لتغيير العالم، وبالاخص تغيير الانسان نفسه.

التهنئة للدكتور محمود لهذا الكتاب المتميز، مع ترقب صدور المؤلف الجديد الذى يقوم بإعداده. والمجد والخلود لعبقرى الفكر وشهيده الاستاذ محمود محمد طه.