بسم الله الرحمن الرحيم
مركز الأستاذ محمود محمد طه، امدرمان
تحت شعار معا لنبذ العنف والدعوة للحوار والتعايش السلمي بين الأديان والأفكار
ورقة بمناسبة إحياء الذكرى 28 لإستشهاده، بتاريخ الجمعة 18 يناير 2013
تقديم: فاروق محمد ابراهيم
الحركة الإنسانية الجديدة
بتوحيد الكفاح الروحي القائم على الصلاة مع الحراك الإجتماعي- السياسي السلمي المستند إلى المعرفة لتغيير العالم
(2)
عرض لجدلية النعيم عن علاقة الدين بالدولة والسياسة في كتاب :
الإسلام وعلمانية الدولة

1. "إنني أدعو إلى علمانية الدولة من أجل تمكين التدين الصادق في المجتمع وليس علمانية الإنسان أو المجتمع" (ص19). هذه هي الفكرة التي تسري في الكتاب الذي صدر بعدة لغات، من الغلاف إلى الغلاف (الطبعة العربية صدرت عن دار ميريت بالقاهرة سنة 2010م وتقع في 469 ص). وقد قام النعيم في المقدمة ثم في الفصل الأول، بعنوان الدولة المدنية وسيلة التدين في المجتمع، والفصل الثاني بعنوان الإسلام والدولة والسياسة من منظور تاريخي، والفصل الثالث بعنوان الحكم الدستوري وحقوق الإنسان والمواطنة، ببلورة وتركيز كل جوانب أطروحته. أما في كل من الفصل الرابع والخامس والسادس فقد قام بتطبيق الأطروحة على كل من الهند بعنوان "علمانية الدولة والعنف الطائفي"، وتركيا بعنوان "تناقضات العلمانية السلطوية"، وإندونيسيا بعنوان "واقع التنوع وآفاق التعددية". وأما الفصل السابع فقد خصصه لتجربة تديين الدولة في السودان بعنوان "السودان والفداء .. بطلان مفهوم الدولة الدينية". ثم أخيرا خلاصة الكتاب بعنوان "التفاوض حول مستقبل الشريعة". وسأكتفي بالنبذة التي غلاف الكتاب التالية خلاصة له:
2. "الأطروحة الأساسية في هذا الكتاب هي ضرورة الفصل المؤسسي بين الشريعة الإسلامية وأجهزة الدولة، رغم العلاقة العضوية واللازمة بين الإسلام والسياسة لدى المجتمعات الإسلامية، وذلك مع التسليم بأن العلاقة بين الدين والدولة والسياسة يجب أن تقوم على أساس الحوار والتفاوض المستمر في الإطار الخاص بكل مجتمع، وليس بفرض صيغة محددة، سواء كان ذلك بدعوى الفصل الكامل أو الجمع القاطع بين الدين والدولة. وهذه الأطروحة هي مجرد إطار عام ومنهج للنظر في علاقة الدين بالدولة والسياسة. فقولي بضرورة الفصل بين الدين والدولة لا يعني إقصاء الدين عن الحياة العامة للمجتمع، بل إنني أدعو لذلك من أجل إتاحة الفرصة لدعم الدور الجوهري للدين الذي يتحقق في قلوب وعقول المسلمين ومن خلال سلوكهم اليومي، وليس بإرادة مؤسسات الدولة التي تخضع حتما لتأثير المعتقدات الدينية والمصالح الدنيوية للقائمين عليها. وقولي بإستمرارية الربط بين الدين والسياسة هو إقرار بهذه الحقيقة القائمة في الواقع شئنا أم أبينا. إنني أدعو إلى ضبط وتنظيم علاقة الدين بالسياسة بما يضمن حياد مؤسسات الدولة تجاه عقائد الناس الدينية التي لا تصح مع الإكراه الذي يؤدي حتما إلى النفاق. وقد إستخدمت مصطلح "علمانية الدولة" في هذا الكتاب لتمييز ما أقول عن العلمانية كفلسفة عامة للحياة من غير إعتبار للمرجعية الدينية من ناحية. فالفهم الشائع لدى المسلمين عامة أن مفهوم العلمانية دائما يعني العداء للدين، أو على الأقل إقصائه عن الحياة العامة للمجتمع. ولتفادي مضار هذا التعميم المضلل، فأرجو أن يلاحظ القارىء أن صفة "العلمانية" تلحق بالدولة لا بالمجتمع. ولا يعني فصل الإسلام عن الدولة إقصاء الإسلام عن السياسة والتشريع، والحياة العامة بشكل كلي، شريطة أن يدعم ذلك بالمنطق المدني، وأن يخضع لمبادىء الحكم الدستوري وحقوق الإنسان. كما أنني أستخدم عبارة "الدولة العلمانية" أو "علمانية الدولة" لأميز ما أقول عن دعوة بعض الجماعات الإسلامية للدولة المدنية وهم يقصدون بذلك فهمهم للدولة الإسلامية التي تكتسب صفة "المدنية" من أن القائمين عليها ليسوا من رجال الدين".
3. "لقد دفع السودان ثمنا باهظا لمغامرة الدولة الإسلامية خلال العقدين الأخيرين من القرن العشرين، ولكي يكون ذلك فداء لجميع المجتمعات الإسلامية الأخرى يجب إستخلاص العبرة بكل أمانة ووضوح لأن كل تجربة لا تورث حكمتها تكرر نفسها. وهنالك عبر كثيرة من هذه التجربة المؤلمة لجميع اهل السودان، إلا أن أكبر هذه العبر في تقديري هي أن الفشل والبطلان هما في مفهوم الدولة الإسلامية نفسه، وليس في فشل الدولة السودانية في ذلك. وإذا لم تستخلص هذه العبرة الكبرى فستقوم جماعة من المسلمين هنا أو هناك وتزعم قدرتها على تصحيح التجربة وتحقيق غاية الدولة الإسلامية، وهو محض سراب ووهم يهلك الأرواح ويهدر المصالح ولا يعود بأي خير على الإسلام والمسلمين" (ص360). هكذا استهل الدكتور النعيم الفصل السابع الخاص بالتجربة السودانية. وقد قام في الجزء الأول من هذا الفصل بعرض موجز لمراحل دور الخطاب الديني من بدايات الحركة الوطنية إلى نهايات ما يسمى بنظام الإنقاذ، وهي الفترة السابقة للإستفتاء على إنفصال الجنوب، أي حين صدور الكتاب. أما الجزء الثاني من الفصل فقد كرسه لتبيان الخلل الكامن في مفهوم الدولة الإسلامية من خلال أقوال دعاتها أنفسهم، ثم اختتم الفصل بعودة إلى أطروحة الكتاب لتوضيح أمرين، "أولا: بيان أنه لا يمكن الفكاك من هذا الخلل والتناقض إلا بالهجر الكامل لمفهوم الدولة الإسلامية، وثانيا: إستجلاء كيف أن تطبيق مفهوم الدولة المدنية (وهي ما أسميه أيضا علمانية الدولة) في المرجعية الإسلامية نفسها يعين على معالجة هذا الإشكال. وهكذا تكون حالة السودان هي النموذج الكامل للخلل وآثاره الخطيرة من ناحية، وكذلك لإمكانية التصحيح من الناحية الأخرى" (ص361).
4. كيف إذن، على ضوء ما تقدم، ننتقل من حالة النموذج الكامل للخلل ولآثاره الخطيرة في السودان إلى تحقيق الدولة المدنية المنشودة؟ على الرغم من قناعة النعيم وتوكيده للدور المحوري "للواسطة الإنسانية" في إحداث هذا التغيير، إلا أنه لا يقترح، كما هو معهود في الحركة السياسية عموما والسودانية خصوصا، برنامجا سياسيا لتوحيد قوى معارضة النظام بغية إسقاطه وإحلال البرنامج البديل والقوى البديلة محله. إن النعيم يطرح عوضا عن ذلك، نموذجا تصحيحيا أخلاقيا يقوم على إستدعاء المسئولية الفردية والإلتزام الديني للفرد، لكل فرد في موقعه، يبدأ من الواقع القائم عمليا ثم يتصاعد إلى غاية الإصلاح والتحول في إطار المفهوم الشامل للدولة المدنية. وهذا الموقف ينبع من قناعته، أولا، بأن هذا المنهج الفردي الذاتي والمباشر هو أساس تعاليم الإسلام في التربية الذاتية كما هو أساس العمل العام في أحوال الدولة والمجتمع وثانيا، لأن الدولة الدينية لم تقم أصلا في شئون الحكم ولا يمكن أن تقوم طالما أن البشر هم الذين يقيمونها، ولأن الدولة القائمة حاليا مدنية في هياكلها برغم ما لحق بها من خلل وفساد بسبب قصور القائمين علي أمور الحكم والإدارة والتعليم والسعي وراء سراب الدولة الدينية المزعومة، "فنحن لا نحتاج إذن إلا لإستجلاء متطلبات الدولة المدنية لتحديد النموذج الذي تتم على أساسه معالجة أوجه القصور في النظرية والتطبيق". وثالثا، "ومن منطلق البداية الفورية والذاتية لكل منا حيثما يكون موقعنا الرسمي والمدني، وبحكم الوجود النسبي للدولة المدنية، فإن التصحيح يبدأ هنا والآن، بدلا من إنتظار إستكمال الشروط المثلى للتطبيق. فلا يجدي أن ننتظر تغيير نظام الحكم الراهن أو إكتمال الوعي بالمواطنة وقيام مؤسسات الحكم الدستوري الرشيد. ودلل على ذلك بأن التقاعس عن مواجهة مسئولية المواطنة لدينا جميعا منذ الإستقلال وعبر كل العهود هو الذي أجهض فرص التغيير العميق المتواصل عبر الإنتفاضات الشعبية في أكتوبر 1964 وأبريل 1985، .. "وواصلت القيادات السياسية تخبطها وبقي عامة الشعب على التقاعس واللامبالاة وتبدد رصيد المواطنة المسئولة فجاء إنقلاب يونيو 1989 نتيجة طبيعية لكل ذلك. ومرة أخرى تواصلت حلقات الإنتظار لدى قيادات المعارضة وعجز عامة المواطنين عن النهوض بواجبات المواطنة". رابعا، وأخيرا ينطلق الدكتور النعيم من الرفض المبدئي للعنف .."وهذا لا يعتي الإستسلام منغير مقاومة القمع والإرهاب الذي يتم بإسم سلطوة الدولة، إلا أن المقاومة لاتكون باللجوء للعنف وإنما الصلابة في الموقف ومحاولة إستخدام كل الوسائل السلمية في المقاومة، مثل التقاضي الدستوري والمشاركة السياسية والعمل في التوعية والتعبئة الشعبية. كما يكون هذا العمل في كل المجالات، ويوما بيوم، فلموظف الجمارك والضرائب دوره في تأسيس سيادة حكم القانون، وكذلك للإداري والغامل في المهن الطبية، كما للمعلم والقاضي ورجل الأمن. وكل هذه الأدوار هي في مجال العمل الرسمي والمهني كما هي في العمل العام، وليس وقفا على الأمور السياسية العليا في تغيير نظام الحكم في قمة الحكومة. وفي حقيقة الأمر لا يكون التغيير في قمة الحكومة إلا من خلال العمل اليومي المباشر في جميع المجالات المهنية والعامة غلى مستوى القواعد في الحياة اليومية (ص 424-427)
5. ومع أن نموذج الدولة المدنية المعروض في هذا الكتاب ليس مشروطا بقبول منهج إصلاحي إسلامي معين، إلا أن الحاجة للإصلاح لا يمكن إنكارها. وكما هو متوقع، فقد ارتأى النعيم، لتحقيق الدرجة الضرورية من الإصلاح، الأخذ بالمنهج الذي اقترحه الأستاذ محمود محمد طه. .."كما شرح الأستاذ محمود فإن الرسالة الأولى الأصولية للإسلام بما فيها من الدعوة السلمية ونبذ الإضطهاد، تم تنزيلها ضمن ضمن آيات القرآن المكي. لكن عندما هاجر النبي عليه الصلاة والسلام مع القلة المضطهدة من أتباعه للمدينة المنورة في عام 622م، انتقلت التعاليم القرآنية لتوفير الحوائج الأساسية للمجتمع المسلم الجديد، والذي كان عليه أن يناضل من أجل البقاء في بيئة شديدة القسوة والعنف. بناء على نهج القراءة التاريخية هذا فإن أحكام القوامة والذمة والجهاد العدواني العنيف كانت في الواقع ترخيصات وتنزلات للتعامل مع الحقائق الإجتماعية والإقتصادية لذلك الزمان، ولم تكن هي الرسالة الإسلامية المرادة للإنسانية كلها في المستقبل المرجو. بما أن هذه الأحكام تم تقديمها من قبل علماء المسلمين بإعتبارها تمثل الشريعة وذلك بإستعمال مناهجهم التفسيرية الخاصة التي لم تكن مجازة بصورة مباشرة وصريحة في القرآن وسنة النبي، عليه الصلاة والسلام، فإن إستخلاصات مختلفة عنهها – أي عن تلك الأحكام – يمكن إستنتاجها بإستعمال منهج جديد. هذا التحليل، في نظري، يمثل منهجا متسقا ومنظما لتفسير عموم القرآن والسنة، بدل الإنتقائية والإنفعالية التي تظهر عند بعض المفكرين الإسلاميين المعاصرين الذين فشلوا في توضيح ما يحدث للآيات القرآنية التي اختاروا التغاضي عنها وعن المصادر السنية المؤيدة والمفصلة لها".
6. في التحليل الأخير، كما كتب النعيم في الفقرة الختامية للكتاب (ص 465-466) "أقول إن الدولة تستطيع أن تخدم المجتمع الإسلامي في قضايا العدالة الإجتماعية والسلام والخير والفضيلة عن طريق إتاحة الفرصة لإدراك هذه المثل عبر الخطاب المدني وهيكل الحياة السياسية. الحياد المقترح للدولة تجاه الدين مطلوب بالتأكيد للتنمية المستقبلية للشريعة نفسها. كما قلت سابقا فإن الإجماع واحد من المصادر والمناهج التأسيسية الأولى للشريعة. نحن قبلنا اليوم، عبر الإجماع المتواصل من الأجيال المسلمة السابقة، بأن القرآن هو التمثيل الصحيح للوحي الإلهي الذي تلقاه النبي، عليه الصلاة والسلام، قبل أكثر من أربعة عشر قرنا. مصداقية مصادر السنة في أنها التمثيل الصحيح لما قاله النبي عليه الصلاة والسلام أو أقره أيضا مبنية على الإجماع. أيا كان ما هو مقبول عند بعض المسلمين كجزء من الشريعة فإنه مبني على إجماعهم ببساطة إذ ليس هناك "بابا" أو أي كائن بشري أو مجموعة تمتلك سلطة إبتدار أي مبدأ من مبادىء الشريعة. هذه الوظيفة وغيرها من الوظائف الحيوية للإجماع بين المسلمين ستصبح عرضة للإفساد والتشويه الكاملين لو سمحنا لبيروقراطيي الدولة بالسيطرة وتوجيه النقاشات والنزاعات بين المسلمين. كما ذكرنا سابقا فبما أن كل أصولية دينية معاصرة إنما بدأت كهرطقة أو بدعة، فإن علينا أن نحمي إمكانية الإختلاف، بل ونحتفي بها، من أجل ضمان تواصل التنمية المستقبلية للشريعة. نحن في كل اطروحة مختلفة نقهرها إنما نفقد إمكانية فكرة أو مبدأ قد ترغب الأجيال المسلمة القادمة أن تتبناه كجزء من إسلامها. أقول يجب أن لا تكون لأي بشر السيطرة على ما قد يرغب الآخرون في الإيمان به أو رفضه، ولهذا أؤمن بأن الشريعة لن يكن لها أي مستقبل بالنسبة لي كمسلم لو تم السماح لبعض المسلمين بأن يفرضوا علي ما يجب أن يكون وما لا يجب أن يكون جزءا من تجربتي الدينية بإسم الدولة الإسلامية المزعومة. هناك الكثير من الوظائف الشرعية للدولة، مثل توطيد الأمن وفض النزاعات وتوفير الخدمات الأساسية، ولكن سلطتها لا يمكن ولا يجب أن تمتد إلى ما هو من الشريعة وما هو ليس منها". أفكار حول جدلية النعيم، جدلية الأصل والعصر
7. في واحدة من سلسلة المحاضرات الرائعة التي قدم فيها الدكتور النعيم أطروحه جدليته، التي هي في الواقع جدلية الأصل والعصر كما يقول عنوان أحد كتب السيد الصادق المهدي، وكانت قبل قرابة ثلاث سنوات بمركز الخاتم عدلان، أبديت تحفظا على فرضيتة التي قبلتها في مجملها، وكان تحفظي فيما يخص مبدأ حياد الدولة بالنسبة للأديان على الوجه التالي: إن الإيمان يشكل جوهر الدين، والقاسم المشترك بين كل الأديان، وهو الذي يجعلني قابلا لأن أكون مسلما أو يهوديا أو مسيحيا أوبوذيا أوهندوسيا، (بل وربما قابلا كل صورة، فمرعى لغزلان، ودير لرهبان إلخ). وإن التحول نحو الإيمان في سياسة الدولة التربوية والثقافية ليس فيه تحيز لأي دين، وإنما هو تحيز لجوهر كل الأديان، وتقريبا لها بعضا بعضا. كان رد الدكتور النعيم من شقين، أولا أن الإيمان لا يمكن تجريده من الدين الذي يؤمن به الإنسان الذي قد يكون مسلما أو مسيحيا إلخ، لكنه لا يكون مؤمنا وحسب، وثانيا أن للإنسان الحق في أن يؤمن أو يكفر، وتحيز الدولة للإيمان ينتهك هذا الحق. عقبت فائلا، أولا، أن الإيمان كمكون للأديان يمكن تجريده منها، كما فعل في مؤلفاته الفيلسوف اللاهوتي الوجودي الأمريكي الألماني الأصل بول تيليش، خاصة كتاب (ديناميكات الإيمان)، وأن ربط الإيمان بالمعتقد الديني فيه خلط بين مفهومي الإيمان والإعتقاد، وثانيا أن الإنسان ليس له خيار حقيقي بين الكفر والإيمان لآن الإيمان فطري والكفر يعني لغة تغطية أو حجب أو الجحود بهذا الإيمان الفطري. وغرس المعرفة تعليميا بهذه الحقيقة الوجودية ليس تحيزا لدين ما وإنما هو تثقيف بالحقيقة الوجودية للإنسان ولكل الأديان. ونسبة لأن وقت المحاضرة لم يتسع للمزيد من التداول، كما لم تتسنى لي فرصة لقاء الدكتور النعيم بعدها، فإنني أقوم هنا، خاصة بعد أن توفرت لي فرصة قراءة الكتاب، بمحاولة تطوير هذه الأفكار، إنطلاقا من حقائق أساسية متفق عليها، وصولا للفهم النظري الذي يتيح الحراك الإجتماعي- السياسي والتفاوض بالواسطة الإنسانية ووفقا لنموذج النعيم الإرشادي، تحقيقا للإصلاح الكافي لولوج العصر.
8. الحقيقة الأولى التي أنطلق منها أن الدين الإسلامي الذي نعيشه جميعا، ويعرفه النعيم (ص38) بإعتباره "الديانة التوحيدية التي أتى بها النبي محمد صلى الله عليه وسلم، حيث تلقى الوحي بالقرآن وبلغه، ثم أوضح معناه وأحكامه من خلال ما تم التعارف عليه بين المسلمين بإسم السنة النبوية، فالقرآن والسنة هما المصدر الأساس المرجعي لأي فهم للإسلام، أو ما اشتق عنه من مفاهيم أو صفات بين المسلمين. القرآن والسنة هما مصدر العقيدة التي يتمسك بها كل مسلم، وبيان عبادته التي يتبعها، والخلق الذي يلزمه في سلوكه العام والخاص. ومن القرآن والسنة يلتمس المسلمون الترشيد والتسديد، لتطوير علاقاتهم الإجتماعية والسياسية، ومعاييرهم القانونية، ومؤسساتهم المختلفة"، هذا الدين الإسلامي إنما هو دين من بين الأديان الكبرى في عالم اليوم.
9. الحقيقة الثانية التي أنطلق منها أن وضع الإسلام كدين من بين الأديان مفارق تماما، لأسباب تاريخية طبعا، لما جاء به القرآن الكريم الذي لم يدع لدين جديد وإنما للإسلام الذي جاءت به كل الرسالات: "إن الدين عند الله الإسلام، وما اختلف الذين أوتو الكتاب إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم ومن يكفر بآيات الله فإن الله سريع الحساب 19 * فإن حاجوك فقل أسلمت وجهي لله ومن إتبعن وقل للذين أوتو الكتاب والأميين ءأسلمتم، فإن أسلموا فقد إهتدوا وإن تولو فإنما عليك اللاغ والله بصير بالعباد" 20* آل عمران. "أفغير ديين الله يبغون ول.ه أسلم من في السموات والأرض طوعا وكرها وإليه ترجعون 83* قل آمنا بالله وما أنزل علينا وما أنزل على إبراهيم وإسمعيل وإسحق ويعقوب والأسباط وما أوتي عيسى والنبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون 84* ومن يتبع غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين 85* آل عمران. "إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده وأوحينا إلى إبراهيم وإسمعيل وإسحق ويعقوب والأسباط وعيسى وأيوب ويونس وهارون وسليمان وآتينا داوود زبورا 163* ورسلا قد قصصناهم عليك من قبل ورسلا لم نقصصهم علييك وكلم الله موسى تكليما 164* رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس حجة على الله بعد الرسل وكان الله عزيزا حكيما" 165* النساء.
10. الحقيقة الثالثة التي أنطلق منها أن تعريف الإسلام ورسالته التي تسري في القرآن كله لكل إنسان أن يسلم نفسه لله وهو محسن، أن يؤمن بالله ويعمل عملا صالحا. "وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كانوا هودا أو نصارى تلك أمانيهم قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين 111* بلى من أسلم وجهه لله وهو محسن فله أجره عند ربه ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون" 112* البقرة. "إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئون والنصارى من آمن منهم بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون" 69* المائدة. "قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا" 110* الكهف.
11. الحقيقة الرابعة أن رسالة الإسلام بالمفهوم القرآني وصلت لكل البشر، لكل قوم بلسانهم، وأن القرآن يرعى ويؤسس التنوع القائم على التوحيد. فكل الأديان صحيحة وهي من الإسلام طالما قامت على الإيمان والتوحيد والعمل الصالح. "لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ولكن ليبلوكم فيما آتاكم فاستبقوا الخيرات إلى الله مرجعكم جميعا قينبئكم بالذي كنتم فيه تختلفون 48* المائدة. "إنا خلقناكم من ذكر وأنثي وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم الله أتقاكم إن الله عليم خبير" 13* الحجرات.
12. الحقيقة الخامسة أن القرآن والسنة ينصان نصا صريحا لا يقبل التأويل أن الإسلام خصلة فطرية، أي وراثية لكل البشر، وأن الكفر إنكار أو تغطية أو جحود بهذه الفطرة السليمة، وأن تعدد الأديان ناتج عن تعدد الثقافات. "فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر عليها الناس لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون 30* منيبين إليه وأقيموا الصلاة ولا تكونوا من المشركين 31* من الذين فرقوا دينهم شيعا كل حزب بما لديهم فرحون" 32* الروم. وجاء في الحديث أن الطفل يولد مسلما بالفطرة، وأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه. ولم يقل الحديث أن أبوا "يمسلمانه" لأن الإسلام هو الفطرة، الخاصية المشتركة لكل الأديان، القابلية الطبيعية لأن يسلم الإنسان وجهه لله وهو محسن.
13. الحقيقة السادسة أن ما جاء في القرآن عن فطرية الإيمان والتنوع الديني ثقافي الأصل يتطابق مع ما يقول به علم الأحياء التطوري الحديث: أن قابلية الإنسان لأن يكون له دين خصلة وراثية، وأن الدين الذي يدين به خصلة ثقافية، ما يماثل الوضع بالنسبة لتعلم اللغات. فقابلية الإنسان لأن تكون له لغة خصلة وراثية، أما اللغة أو اللغات التي يتحدث بها فخصلة ثقافية.
14. يترتب على هذه الحقائق أن البشر جميعا "مسلمون" ويعبدون إلها واحدا إذا ما آمنوا وعملوا عملا صالحا. فالنيرفانا لدى الهندوس مثلا تعني فتاء الذات في البرهمان الذي هو المبدأ الخلاق للعالم. هذا يطابق ترميزنا بإسم الجلالة للذات الإلهية. وهذا الفهم يشكل قفزة قي مفهومنا لوحدة الإنسانية. فالحديث، مثلا، الذي يقول أن كل المسلم على المسلم حرام، دمه وماله وعرضه، إنما يشير لكل إنسان مؤمن بهذا المعنى العريض، وفي ذلك تأصيل وتعميق إسلامي لحقوق الإنسان الإجتماعية والسياسية والإقتصادية وكل الحقوق التي تنص عليها المواثيق الدولية الآن بأنها حرمات لكل البشر. ذلك يجعل من حركة الحقوق المدنية حركة للواجبات حالما صارت لها المرجعية الدينية، وذلك يمنحها دفعا ديناميكيا فائقا..
15. إنني أتفق مشروع النعيم الإصلاحي السلمي المثير للجدل، وأقتبس هنا التبرير النظري للنعيم في فكر الأستاذ محمود محمد طه كما جاء في العرض التقدي الذي قدمته لكتاب الدتور محمد محمود "البحث عن الألوهية" المرفق (ص3)، والذي أتفق معه تماما:
"ولا يقبل الأستاذ طه كغيره من المجددين القول بأن الإسلام نفسه في أزمة، بل يرى أن الأزمة تكمن في فهم المسلمين لدينهم. وهذا التركيز على الفهم إنما هو في الواقع تركيز على الدور الذي يلعبه الوعي في بناء العالم وإحداث التغيير فيه. فبينما لا يختلف الأستاذ مع ماركس بصدد العلاقة الحميمة التي تربط الوعي بالواقع المادي للوجود الإنساني، فهو يرفض المقولة الماركسية بأن الوعي يحدده الواقع المادي في نهاية المطاف. ويقود هذا التركيز على الوعي للتأكيد على رؤية أخرى مفارقة للماركسية الأرثودكسية، هي أن الفرد هو الغاية، وأن له بالتالي الأولوية على المجتمع. لكن لأن الفرد في نظره هو مركز الوعي والحرية والفعل، فإن الفهم والفعل الفردي هو الذي يعول عليه لإحداث التحول في الحالة الإنسانية"
16. إنني أدعو، دعما لمشروع التغيير الذي طرحه الدكتور النعيم لقيام حركة إجنماعية- سياسية تستهدف إحداث تغيير في توازن القوى في عقول وقلوب المواطنين السودانيين لصالح مشروع التغيير المطروح بكامله، حركة تخاطب المواطنين كأفراد. هذه الحركة ليست "سياسية" من حيث أنها لا تستهدف تمثيل المواطنين أو التحدث بإسمهم، كما لا تستهدف الوصول للسلطة السياسية. إنها تستهدف إستنهاض وعي ومسئولية المواطنين الأفراد لكيما يقوموا بإتباع السياسات السليمة عبر أحزابهم ومنظماتهم المختلفة لاجل حرية وحقوق الإنسان والدفاع عن النظام الدستوري. وعلى الرغم من المنطلق القرآني فإنني أفضل الإشارة لها كحركة إنسانية. ونسبة للموقف السلبي لإنسانيي القرن الثامن عشر من الدين فإنني أفضل إسم الحركة الإنسانية الجديدة، تحت الشعار الذي تصدر هذه الورقة وسابقتها: الحركة الإنسانية الجديدة، بتوحيد الكفاح الروحي القائم على الإيمان مع الحراك الإجتماعي- السياسي السلمي المستند إلى المعرفة لتغيير العالم. وإذا ما بدت هذه الدعوى "العالمية" قليلة التواضع، فالحاجة العالمية لا تخفي. والمقارنة واضحة مع شعار ماركس. الفلاسفة فسروا العالم، لكن المهم الآن تغييره، طبعا بالصراع الطبقي إستنادا للمنهج المادي لتفسير التاريخ. العذر أن ماركس، لو كان بيننا الأن لتبنى هذا الشعار الذي يتسق، مع قليل من التعديل - مع كتابات ماركس الشاب في النصف الأول من أربعينات القرن التاسع عشر. وهذا الشعار على أي حال مستمد من سيرة ومشروع الأستاذ الشهيد محمود محمد طه كما قدمه الدكتور محمد محمود في "البحث عن الألوهية".
17. إستكمالا لهذا المشروع، فسأطرح في الأسابيع القادمة ثلاثة أوراق حوارية بنفس العنوان، أقدم فيها عرضا لثلاثة كتب، ديناميكات الإيمان، لبول تيليش، وبيولوجيا المصير ل ث. دوبجانسكي (نشرت ترجمته التي قدم لها السيد الصادق المهدي بمقدمة حوارية في أركماني، موقع الراحل أسامة عبدالرحن النور الإلكتروني، وأصدر الدكتور عمر القراي عرضا نقديا له في كتاب) ، وموديلات المجتمعات الإنسانية، من كتاب "أصل الحياة، من الخلايا الأولى إلى أصل اللفة الإنسانية. والدعوة للمساهمة والمشاركة مفتوحة.
18. الإعتذار لعدم التركيز، ولإغفال الكثير لضيق الوقت، والتحية والتقدير للدكتور عبدالله النعيم لهذا الإسهام المجيد، والمجد والخلود لعبقري الفكر وشهيده محمود محمد طه.