بعض النظر فى كتاب المسلم الغريب الكامل
لمؤلفه إدوا رد توما س



تتناول هذه الورقة بالتعليق وشئ من التحليل لما ورد فى مؤلف الباحث والكاتب البريطاني إدوا رد توماس والكتاب يسرد فيه الكاتب السيرة الذاتيه للاستاذ/ محمود محمد طه كمصلح اسلامى وهذا الكتب قد بدأ كرسالة لنيل الدكتوراه بجامعة ادنبره البريطانية وقد تم نشره ككتاب فى العام 2010 بواسطة شركة (I B Tauris) .
فى مقدمة الكتاب وضع المؤلف فى الصفحة الخامسة خلاصة فصول الكتاب مقدماً سيرة الاستاذ الشخصية وفق ترتيب تسلسلى للوقائع بحيث يعين التواريخ الدقيقة للاحداث وترتيبها وفق تسلسلها الزمنى وهو يفعل ذلك على وجه التقريب كما يقول.
فى الفصل الاول يتحدث عن السنين العشرالاولى من حياة الاستاذ محمود (1911-1921م). ويتناول فى الفصل الثانى الفترة من القرن السابع عشر وحتى عام 1911. وفى الفصلين الثالث والرابع (1921-1936م) يتناول الكاتب ايام الدراسة للاستاذ محمود فى موطنه الاصلى رفاعة وفى العاصمة الخرطوم والتطورات التى مر بها مجتمعه فى فترة الاستعمار البريطانى.
فى الفصل الخامس (1936م-1945م) يتناول زواج الاستاذ محمود ثم خروجه الى الحياة العامة وهكذا يأتى الفصل السادس من الكتاب متناولاً قيام الاستاذ محمود محمد طه بتاسيس حزب سياسى فعال (1945- 1946) ثم دخول الاستاذ للسجن . فى الفصل السابع يتحدث المؤلف عن بقاء الاستاذ محمود فى السجن فى الفترة من (1946-1951م) وحالة الزهــد والتنسك والتحنث وإنقطاعة للتأمل فى طبيعة الدين الشاملة وطاقته التحويلية فى احداث التغيير. فى الفصلين الثامن والتاسع (1951م- 1958م) يتناول الكاتب رجوع الاستاذ للحياة العادية و العمل لكسب العيش ومراقبة ومعايشة عملية إستقلال السودان وكان فى بعض الاحيان يتحدث عن احواله الروحية فى السجن مما جر اليه بعض العداء والخصومات ولكن كل هذه الخصومات والعداوة لم تمنعه من إعلان قناعاته فى الفترة ما بين 1958م الى 1964م كما يورد الكاتب فى الفصل العاشر من الكتاب.
فى الفصل الحادى عشر اى فى الفترة من 1964م الى 1969م يتحدث المؤلف عن رجوع الاستاذ/ محمود لحياة التقشف والزهد وتأليف الكتب مما جذب اليه المثقفين الشبان ورجال الفكر وقد تم إتهامه بالردة من قبل المتعصبين للشريعة التقليدية الموروثه .
يناقش الفصل الثانى عشر الكتب التى كتبها ووضعها وموقعها ضمن السياق التقليدى الشرعى والصوفى فى السودان.
الفصل الثالث عشـــر من الكتاب يغطى الفترة من 1969م الى 1976م ويتحدث عن كيف ان الاستاذ محمود اعاد ابتداع الافكار الصوفية والوسائل التنظيمة العملية وفى هذا الفصل ايضاً يتناول الكاتب تجارب الاستاذ محمود فى سودان يحكمه نظام عسكــرى يحاول تشكيل السلطة بمنأى عن النظام الابوى الوصائى الاسلامي وتحويل السلطة الى حكم مطلق تتعدد فيه الثقافات.
الفصل الرابع عشر يغطى الفترة من 1973م الى 1982م ويتعرض الكاتب فى هذا الفصل لما يسميه بمحاولات الاستاذ محمود لنشر افكاره خارج نطاق قاعدته الحضرية اى إطــار المدينة والالتحام مع السودان الواسع.
ويغطى الفصل الخامس عشر الفترة ما بين 1977م الى 1983 ويصف المؤلف فى هذا الفصل كيف ان النظام العسكرى فى السودان قد اصبح مخترقاً ومسيطراً عليه من قبل قوي سياسية دينية وفي هذا الفصل يلقى الكاتب النظر الى المواجهة التى نشأت وتطورت بين الاستاذ محمود وتنظيم الاخوان المسلمين حتى ادت فى النهاية الى إعدام الاستاذ/ محمود وهذا ما يوضحه الكاتب فى الفصل السادس عشر اى فى الفترة من 1983م الى 1985م.
وفى الفصل السابع عشر والاخير اى فى الفترة من 1985 وما بعدها تناول الكاتب مرحلة ما بعد تنفيذ الاعدام في الاستاذ محمود.

مــــــــــــلاحظـــــــات عــــــــــامـــــــــة:-
فى البدء يمكن اعتبار بحث الكاتب إدوارد توماس بحثاً وصفياً (Ideographic ) اكثر منه دراسة تفسيرية او تحليلية لفكـــر الاستاذ / محمود محمد طه وهذا فى اعتقادى المتواضع ما يغلب دائماً على البحوث والكتب التى تتناول السيرة الذاتيه للاشخاص. يقول الكاتب فى صفحة 88 انه ربما كانت تجربة الخلوة فى السجن والتى عاش فيها الاستاذ محمود معيشة فقراء السودان من حيث الملبس والمأكل قد خلقت منه مدافعاً ملحاً فى قضية إعادة توزيع الثروة ، ويرى الكاتب ان اشتراكية طه والتى هى من انتاجه الفكرى بعد الخلوة التى عاشها لم تصل ابداً لدرجة التحليل الاقتصادى للطبقة والسلطة فى السودان ( انتهى حديث الكاتب) ... ولكن هذا قول غير دقيق لان الاستاذ محمود كان داعياً لتحقيق المساويات الثلاث وهى السياسية والاقتصادية والاجتماعية وكانت السلطة بعد الاستقلال فى ايدى احزاب طائفية تقوم على التبعية الدينية والسخرة الاقتصادية لاتباعها الذين يمثلون القواعد الجماهيرية لهذه الاحزاب. ثم ان الاشتراكية ليست من انتاج الاستاذ محمود الفكري وانما هي اكتشاف وصل اليه الاستاذ بعد التامل والتفكر لان الاشتراكية في الاصل فكرة دينية وهي من اّصل اصول الاسلام كما يعبر الاستاذ ومن هنا فهي اكتشاف وليست اختراعDISCOVERY NOT ANINVENTION ) ) .
فى صفحة 155 يتحدث الكاتب عن اسلوب ومحاجة الاستاذ فى المجال القانونى فيصفها بانها غير محكمة وتتسم بالتجريد وعدم الدقة وبناء على ذلك يقول الكاتب ان هذا الاتجاه عند الاستاذ محمود انما يوحى بانه معنى اكثر بالنظر الصوفى اكثر من اهتمامه بالقانون حيث يرى الكاتب فى صفحة 233 ان الاستاذ محمود قد تصدى للقوانين الشرعية لوضع منظومة جديدة للقانون وحقوق الانسان لخلق اليوتوبيا التى يريدها ... ولكني ارى ان المنظومة القانونية التى رمى اليها الاستاذ محمود انما تؤدى الى خلق مجتمع انسانى فاضل وليس الي خلق مجتمع خيالى او مثالىكما يفهم من كلمة يوتوبيا لدى الغربيين والمستغربين ايضا حيث ان مصطلح ( اليوتوبيا) اليوم يستخدم للدلالة على مشروع للنهوض الاجتماعى من المستحيل تحقيقه .. ومن اجل هذا لم يعول الاستاذ محمود على على الطرق الصوفية لان دورها مرحلى وقد ادته وهى لن تستطيع التاسيس للمرحلة العلمية للدين حيث لاتملك لوصولها منهجية كتلك التى وضعها الاستاذ (محمود محمد طه) وهى منهجية الانتقال من نص في القران خدم غرضه حتى استنفذه الى نص اخر موجود فى القران نفسه حيث ان التشريع فى القران قد جاء على مستويين اتساقاً مع الطبيعة البشرية التى تتطلب وجود تشريع للقاصر واخر للرشيد على مستوى الافراد والمجتمعات وهذا ما يؤكد فعلاً ان الاسلام هو دين الفطرة وهذا هو السر فى بقاء النصوص الناسخة والمنسوخة فى المصحف معا حيث لاتبديل لهذه السنة الكونية وانت ان سالت كل المسلمين من اى مذهب كانوا لقالوا لك ان القران كله صالح لكل زمان ومكان وكلمة صالح تتضمن الناسخ والمنسوخ فى القران فهل من الممكن ان يعيش الناس تحت ظل منظومتين قيميتين وقانونيتين فى وقت واحد؟ هذا ما لا يقول به عاقل وعليه فانه وبكل بساطة لابد من فك التعارض بين النصوص وبمنهجية غير تلك التى عناها المؤلف اي فلسفة الشك.
(legal and ethical skepticism ).
فى صفحة 228 يتحدث الكاتب عن ما اسماه بالفشل السياسى للاستاذ/ محمود فى مقابل الانتصار الذى ناله الاخوان المسلمون فى النهاية هذا على الرغم من هزيمة طه لنميرى ويرى المؤلف ان اسباب ذلك لا تخلو من تعقيد واول هذه الاسباب هو ان اسلام طــه المثالى يفتقر الى الدهاء السياسى الذى عرف به الاخوان المسلمون بمساعدة اصدقائهم من العسكـــر ودوائر المصارف الاسلامية .هذا الحديث يغفل ان الاستاذ محمود لم يجعل الهدف الرئيس لحركته وفكره انشاء دولة اسلامية فى السودان وإنما كان الاستاذ يدعو الى خلق المجتمع المسلم المحلى القادر على خلق الفرد الحر ثم المجتمع المسلم الكوكبى ثم ان القول بانه فشل فى انشاء دولة اسلامية فى السودان فيه ابتسار لدعوته وجهل بتوجهات هذه الدعوة التى ترمى الى تاسيس المرحلة العلمية للدين بعد ان كان الدين عقيدة (دوغما) عبر تاريخه الطويل.
ثم ان الكاتب هنا لايفرق بين الاستاذ محمود كمفكر سياسى منهجى وبين الترابى (الاخوان المسلمون) كسياسى حركى تجريبى يستغل الجيش والمال للوصول للسلطة بصورة انتهازية ومكيافلية تري ان الغاية تبرر الوسيلة وهذا ضد خلق الدين الحق حيث ان شرف الوسيلة لاينفك عن شرف الغاية . ثم ان التجربة الحالية للاسلاميين فى السودان وبعد ان وصلوا الى السلطة هى دليل على صحة ما ذهب اليه الاستاذ/ محمود وعلى خطل ما ذهب اليه الاخوان المسلمون وزيف توجهاتهم وإنكشاف غطائهم بعد ان كان الترابى وتنظيم الاخوان المسلمين الحاكم اليوم يرفعون شعار( هى لله لا للسلطة ولا للجاه) فصدق فيهم قول التجانى يوسف بشير :
وإذا الفتى الحبر والاخ الالهى خلو من الحجى والضمير
وهذا ماتنبأ به الاستاذ/محمود محمد طه نفسه منذ اواخر سبعينات القرن الماضى حيث قال: (( انه من الخير للشعب السودانى ان يمر بتجربة جماعة الهوس الدينى وسوف تكون تجربه مفيدة للغاية إذ انها ستبين لهذا الشعب زيف شعارات هذه الجماعة وسوف تستولى هذه الجماعة على السودان سياسيا واقتصاديا حتى ولو بالوسائل العسكرية وسوف يذيقون الشعب الامرين وسوف يدخلون البلاد فى فتنة نهارها كليلها ثم تنتهى فيما بينهم ثم يقتلعون من ارض السودان إقتلاعاً)).
إن وصف المؤلف لمجهود الاستاذ محمود الفكرى والدينى بالخيالى والمثالى يشبه عندى محاولة بعض مؤرخى السياسة الانتقاص من اهمية افلاطون والتقليل من قيمة مساهمته فى تطوير علم السياسيه ولكن ارسطو تلميذ افلاطون لم يتخل عن منهج استاذه وظل كاستاذه ينشد الدولة الفضلي ويصل ما بين القيم السياسية والخلقية ويسعى لاصلاح السياسة والسياسيين ولم يكن فيلسوفاً خيالياً تجريدياً بل كان متجهاً نحو النزعة العملية وقد قيل انه- اي افلاطون - كان يكتب علىباب مدرسته عبارة (من لم يكن مهندساً فلا يدخل علينا) فهذا يعنى ان الفلسفة او إيثار الحكمة لايمكن ان تكون مجرد نظريات خيالية او مثالية او تجريدية وانما ينبغى الالمام بالعلوم الطبيعية والتامل فيها اولاً ولقد كان الاستاذ محمود مهندساً فى الطبيعة ثم مهندساً للافكــار.
إن الحديث عن المرحلة العلمية للدين اي الدعوة على مستوى دين الفطرة لم يتناوله الكاتب بالتحليل وهو حديث كفيل باستبعاد تهمة المثالية والخيالية عن فكر الاستاذ التجديدى ويحتم فى نفس الوقت على دارس السياسة اوالمفكر السياسى ان يكوّن له مفهوماً عن الطبيعة البشرية وقد اورد الدكتور ( حسن صعب) فى كتابه (علم السياسة): ( إن دراسة الطبيعة البشرية إن كرس لها العلماء جهودهم الموحدة والمنظمة لن تجعل معرفتنا بالانظمة السياسية اوسع واعمق فحسب بل انها ستفتح امامنا كنزاً من الابتكار السياسى) وهذا ما عناه الاستاذ/ محمود محمد طه حينما تحدث عن المرحلة العلمية للدين والتى تضع فى الاعتبار الطبيعة البشرية التى اشار اليها رسول الاسلام حينما وصف الاسلام بانه دين الفطرة.

مـــــراجع:-

(1)Thomas , E.. ; Islam Perfect Stranger ; The life of Mahmoud Mohamed Taha, Muslim Reformer of Sudan. (2010-I>B>Tauris )
(2) محمود محمد طه- طريق محمد - الطبعة الثانية – ابريل 1975م
(3) د. حسن صعب : علم السياسة ، ط 4، دار العلم للملايين ، بيروت 1976م
(4) د. محمود شعرانى: الازمة الاخلاقية العالمية – الطبعة الاولى 2009م – المركزالسودانى لدراسات حقوق الانسان .ٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍ




د. محمود شعرانى