بسم الله الرحمن الرحيم

الاستغفاء على أرصفة الانتظار!
محاورة لمحاور كتاب "العصر الذهبي للإسلام أمامنا"
(تأليف الأستاذ خالد الحاج عبد المحمود)


حيدر الصافي محمد شبو


الملخص:
أطل الأستاذ محمود محمد طه على الساحة الفكرية من نافذة الغرابة التي يوقن بأنها الحق، فتفرقت الآراء حول فكرته، فقليل من رغب، وكثير من جافى مواقع حوارها الذى ملأ حينها الساحة السودانية. فقد ألف الأستاذ حوالي خمسة وثلاثين كتابا، كما أشرف على تبسيط ونشر دعوته للجمهور من خلال المنابر الحرة، ومن خلال تأليف الكتيبات والمناشير، واستمر الحال هكذا حتى يناير 1985 (تاريخ الفداء العظيم)، وبعدها حُل تنظيم الاخوان الجمهوريين، فانبهمت السبل أمام العمل الجماعي للجمهوريين وأصبح المشهد الفردي غالبا هو متوكأ الخلاص.
وعد الأستاذ محمود محمد طه باصدار كتاب باسم "العهد الذهبي للإسلام أمامنا"، وأنبرى الأستاذ خالد الحاج عبد المحمود بإصدار كتاب باسم "العصر الذهبي للإسلام أمامنا" (دار النهضة العربية، 2008)، إيفاء بوعد الأستاذ الذي قطعه للقراء (حسب قوله) !!.. والأستاذ خالد الحاج من كبار قياديي الحركة الجمهورية في فترة ماقبل الثامن عشر من يناير من العام 1985 عند ما كان تنظيم الأخوان الجمهوريين قائماً، كما كان أيضا من تلاميذ الأستاذ البارزين في نشر الفكرة الجمهورية، خاصة فى إصدار الكتيبات الخاصة بشرح وتبسيط الفكرة.
ومن ما يلاحظ أن المؤلف لم يتعرض فى كتابه "العصر الذهبي للإسلام أمامنا" لشرح الظروف الموضوعية والملابسات التي حالت دون أن يكتب الأستاذ محمود هذا الكتاب!! كما لم يبين الضرورة التى دفعته هو ليفعل ذلك!.. وبتصفحي للكتاب موضع البحث، وجدت أنه بالرغم من أن المؤلف قد وفى بالوعد كما ذكر في تأليف الكتاب، ولكنه قد فعل ذلك عن طريق إعادة ماقيل من قبلُ عن الدين ومستقبل البشرية وفق رؤية الأستاذ محمود وباسلوبه وخصوصية تعبيره ونكهة مفرداته.. أكثر من ذلك لم ينقل المؤلف من مؤلفات الأستاذ محمود بالدقة الكافية، حيث غيب بعض الكلمات واستبدلها بأخر!! وبعض الذي غيَّب يعني الكثير فى إيضاح المعنى ولا يغني عنه غيره. كما نجده أحيانا يزحزح بعض مفردات الأستاذ من مواضعها من ما أخرجها من إطار المعنى الذي عناه الأستاذ . . ولكن الاهم من هذا وذاك، أن المؤلف في معظم كتابه لا ينسب القول الذى يأخذه من مؤلفات الأستاذ للأستاذ، كما لا يحيل القارئ إلى مؤلفات الأستاذ للاستزادة إلا فى مرة واحدة تقريباً !.
العصر الذهبى للإسلام يعني عند المؤلف المرحلة الرابعة من النشأة البشرية بكل تفاصيلها التى أوردها الأستاذ محمود فى كتبه ووثائقه الأخرى خاصة الطبعة الرابعة من كتاب رسالة الصلاة (ص 8 – 51) والذى جاء فيه "هذه المرحلة هي مرحلة الكمال، وهي لما تأت بعد" .. فالحديث عن مرحلة الكمال يقتضي (بداهة) بلوغ المتحدث هذه المرحلة من الكمال! والا فكيف لمتحدث ان يتحدث عن مرحلة لمَّا تأت بعد ؟ اللهم إلا أن يكون من الناس الذين قال عنهم الأستاذ " فمن الناس من لا يرى إلى أبعد من أنفه، ومنهم من تنجاب عن بصيرته سحب الظلمات، وحجب الأنوار، فيرى ورود الحياة، وصدورها، ويرى سيرها فيما بين ذلك ".. رسائل ومقالات – الكتاب الثاني، الطبعة الأولى- ص 6- أو ما علمت أن الأرض قد التحقت بأسباب السماء، تعقيب على الأستاذ محمد محمد على.. فالذي يرى ورود الحياة وصدورها يأتـي بعلم جديد مؤطر بأصالة تعبيره .. والذي لا يرى الحياة بالكيفية التى ذكرها الأستاذ، فله العذر في أن يعتقد في الذي يرى الحياة بالكيفية التي ذكرت! ولكن لابد من أن ينأى عن احالة عقيدته إلى علم تترجمه مؤلفاته !. . لأن الحديث بعلمية عن المرحلة الرابعة تقتضي أدوات غير الأدوات التى تمتلكها البشرية الحاضرة، تقتضي الحاسة السادسة والحاسة السابعة، فدونك حديث الأستاذ فى هذا "وأما المرحلة الرابعة فهى تتميز من المرحلة الثالثة بدخول الحاسة السادسة، والحاسة السابعة، في المسرح، وتلك درجة جديدة، من درجات الترقي، تصبح بها الحياة البشرية شيئا جديدا، مختلفا عما ألفنا من قبلُ" (رسالة الصلاة، الطبعة السابعة- صفحة 20)
وخلاصة القول في هذا الأمر هو، إذا كان كل ما قاله المؤلف عن العصر الذهبي للإسلام (اقرأ العهد الذهبي)، ووسيلة تحقيقه قد قاله الأستاذ من قبلُ وبشئ من الاستفاضة، فما الداعي لكتابة كتاب يحمل اسم المؤلف ولايعمل على إيضاح الفكرة كما هي في مظانها، بل يعمل على خلخلة اتساق المعاني الموحدة بتوحيد رؤية الأستاذ !!.

مقدمة البحث:
وقد أرخ أستاذ خالد الحاج بكتابه " العصر الذهبي للإسلام أمامنا" ظاهرة جديدة لقراء وتلاميذ الأستاذ، إذ أنهم لم يعهدوا أن يشارك أحدٌ الأستاذ في تأليف مؤلفاتة منذ أن كان رئيسا للحزب الجمهوري وحتى نهاية نشاطه فى يناير 1985، يستثنى من ذلك الكتيبات، التى كانت تحمل الاسم الجماعي "الاخوان الجمهوريين"، وهي عبارة عن تبسيط للفكرة، أو عرض لقضية سياسية، أو اجتماعية ...الخ، ولكن جميع هذه الكتيبات لاتعبر إلا عن رأي الأستاذ بلغة وأسلوب الكاتب الذي أوكلت له المهمة فبالتالى فهي لاتحمل اسم كاتبيها (إذا كان فردا أو لجنة) وهناك إستثناءات لثلاث حالات خاصة – لها مايبررها- حملت أسماء بعض الاخوان، وهى قضايا كوستي هدية لشعبنا لكيلا يخدع عن حقيقة من يتصدون لتعليمه دينه (سعيد الطيب شايب)، هل هذا هو الإسلام غل هذه هي مصر؟ (إبراهيم يوسف فضل الله) والميزان بين محمود محمد طه والشئون الدينية والأوقاف لمجموعة من الأخوان والأخوات. وهنا لابد لنا أن نتساءل، لماذا لا تكتب أسماء تلاميذ الأستاذ على الكتيبات التي يقومون بكتابتها؟ وقد استطلعت آراء بعض من الذين كانوا يقومون بكتابة الكتب – وهم كثر، وكان رأي بعضهم أن الأستاذ لايريد أن يحمل تلاميذه مسئولية أفكاره، وما يرد في هذه الكتيبات ليس رأي الكاتب أصالة وانما بالحوالة. وآخرون يرون أن ما يكتب في هذه الكتيبات، ليس لكاتب حق فيه غير حق الصياغة، و ماخلا ذلك فإنه علم الأستاذ متنزلاً بأسلوب الكاتب المكلف بذلك. وعليه فإن السؤال الذى قد يتبادر لذهن القارئ، إذا كان ليس للتلاميذ الحق فى اصدار كتيبات تبسيط الفكره بأسمائهم، فكيف بكتاب أطل علينا باسمه من شرفة المستقبل، ومازال يستعصم بعزة الغيب ! . وبناءً على ذلك فقد أصبح الظن السائد أن تلاميذ الأستاذ محمود حين يكتبون، يحاولون تبسيط ونشر فكرته التي اتسمت بالغرابة، وهم حين يفعلون ذلك يحيلون القراء الى تفاصيل الفكرة خاصة في كتب الأستاذ الأساسية كما كان يفعل الأستاذ نفسه.
وعندما تصفحت كتاب أستاذ خالد الحاج عبد المحمود، "الإسلام ديمقراطى إشتراكي"، لفت انتباهى أن الأستاذ خالد يحيل القراء إلى كتابه، "العصر الذهبي للإسلام" كمرجع أساسي، فدفعنى ذلك لقراءة هذا الكتاب إذ توقعت فيه علما جديدا، أو أسلوبا جديدا أكثر تأثيرا على القراء. هنالك شيء آخر دفعني للاهتمام بهذا الكتاب هو محاولة المؤلف أن يفي بوعد قد قطعه الأستاذ على نفسه دون أن يبين لنا الضرورة التى دفعته لهذا العمل! ولماذا ربط هذا العمل بكتاب الأستاذ ! بينما كانت هنالك فرصة لدى المؤلف أن يكتب هذا الكتاب دون أن يربط ذلك بما وعد به الأستاذ محمود!!، فتساءلت عن ما سيدور بأذهان القراء ؟ خاصة الذين لايعرفون الأستاذ، وقد يتساءلون لماذا لم يفِ الأستاذ محمود بوعده الذي قطعه على القراء؟ وماهى الضرورة أن ينبري أحد تلاميذه للوفاء بهذا الوعد ؟.
إن تجربة إكمال بحث علمي أو نظرية أو أى فكر فلسفي ليست بالظاهرة الجديدة فى الاروقة العلمية والفكرية، حيث أن كثيرا من العلماء والمفكرين تنقطع بهم السبل لتكملة بحوثهم لسبب أو لآخر، فينبري علماء آخرون - من نفس التخصص - لتكملة ذلك البحث العلمي بصيغة تؤمن (تحفظ) الحق الأدبي للجميع . وفي حالات أخر، تكون هنالك إضافة جوهرية لمبادئ فلسفة معينة - كما فعل لينين في الماركسية – أو التوسع في ترسيخ مبادئ دعوة دينية رحل صاحبها كما فعل ذلك القديس بولس فى الديانة المسيحية. ولكن فى كل هذه الأحوال نجد أن هنالك مرتكزين أساسين، وهما التكافؤ في المعرفة، والتشابه في أدوات التعبير عند الذي يبدأ والذي يكمل المشوار!، وهذا مانريد إيضاحه فى المقارنة بين المؤلف وبين الأستاذ محمود من حيث منهجية البحث والتشابه في أدوات التعبير. بهذا، فنحن نستهدف - وفق المشاركة المقدمة - القاء الضوء على المرتكزات الأساسية فى كتاب المؤلف والمتعلقة بالعهد الذهبي للإسلام وربطها بالمادة الأساسية – فى هذا الخصوص - والتي بذلها الأستاذ محمود في كتبه وتوثيقاته آملين أن نتشارك مع مجموعة من القراء الكرام - الذين يولون مثل هذه الأمور جل اهتمامهم، وعسى أن يسمو بنا الحوار إلى مراقي الفكر الذي لاتقعده هنات النفوس ولاتقهره المخاوف والظنون فقد قال الأستاذ محمود "فقد أصبح على الدين، منذ اليوم، الا ينبني على الغموض، والا يفرض الاذعان، على نحو ما كان يفعل فى عهود طفولة العقل البشري" (كتاب الإسلام ، صفحة 12)...

عرض مخرجات الكتاب (النتائج):
من خلال قراءة الكتاب موضع البحث وقراءة المراجع الأساسية للأستاذ محمود محمد طه، سنحاول القاء الضوء على بعض المحاور التي قد تعين القارئ لفهم أهداف ومخرجات المؤلف المتعلقة بالعصر الذهبي للإسلام، والتي يمكن إيجازها فى الاتي:

عنوان الكتاب:
وعد الأستاذ محمود بكتاب يخالف عنوانه الكتاب الذي ذكره المؤلف، حيث قال الأستاذ فى كتاب رسالة الصلاة – الطبعة السابعة- في الصفحة 69 "ولسنا نريد الاطالة هنا لأننا سنصدر سفراً مستقلاً في هذا المعنى، وسيكون عنوانه "العهد الذهبي للإسلام أمامنا" ! بينما ذكر المؤلف في السطر الاول من مقدمة كتابه فى صفحة 1 : "العصر الذهبي للإسلام أمامنا كتاب وعد به الأستاذ محمود" وواضح من فقرات الاقتباس، أن الأمر لم يكن هكذا! وعليه كان من الضروري على المؤلف أن يوضح للقارئ، هل استبدل كلمة " العهد" بكلمة " العصر" قصدا، أم سهوا...ولكن من ما يزيد الأمر إرتباكا نجد المؤلف يستخدم أحيانا كلمة " العهد" كمرادف لكلمة " العصر" كما جاء ذلك في صفحة 220 من كتابه موضع البحث حيث قال "لقد قدمنا فى متن هذا الكتاب، طرفا من خبر البشارة...البشارة بعهد (الانسان) العهد الذهبى للإسلام" ! ومهما يقال في هذا المقام إلا أننى أعتقد أن من واجب المؤلف على قرائه و من حقهم عليه إزالة هذا اللبس خاصة أن المؤلف قد وضع عنوان كتاب الأستاذ بين قوسين ليدلل بهما على أنها فقرة مقتبسة لايجوز فيها التعديل.

مقدمة الكتاب:
تحدث المؤلف في مقدمة كتابه عن الحضارة الغربية وأثرها على الواقع الفكري المعاش، كما تحدث عن واقع المسلمين، وحتمية الدين، ومستقبل الحضارة، ولكنه لم يعطِ القارئ خلفية عن الموضوع الأصلي لكتابه والذي جاء به وفاءً لوعد الأستاذ محمود! ولكنه لم يذكر شيئا عن الأستاذ محمود ومؤلفاته ولا عن دعوته وأثرها على الواقع الفكري المعاصر (في السودان والعالم الإسلامي).
إن الأستاذ محمود صاحب دعوة دينية ترتكز على النبوآت، وعلى رأسها نبوءة العودة (عودة المسيح)، من ما جعل الكثيرين من أتباعه يترقبون ظهوره، ويعتقدون أن بظهوره تتحقق كل الوعود !!..فالوفاء بالوعد أمر خطير عند العارفين كما عبر عنه النابلسي:
" قلت فالوعد به تسلية...قال يحتاج يفي من وعدا "
أو كما قال أحد العارفين " إذ وعدت كان الوفاء نصيبها". .ولكن فوق هذا وقبل هذا أن الأستاذ قد تحدث عن الوفاء بالوعد فى كتابه رسائل ومقالات الجزء الثاني من صفحة 44، حيث قال " عزيزى موسى: السلام عليك من عند الله، سلاما زاكيا، أما بعد : فإني أستعين الله في الوفاء لك بما وعدت . . وقديما قيل انجز حر ما وعد . . فالله أسأل أن يجعلنا (أعني البشرية كلها) أحرارا، فالأحرار وحدهم هم الرجال "
أيضا هنالك سؤال مفصلي لزم تبيينه يتعلق بمقدمة المؤلف، الا وهو، هل يظن المؤلف أن الأستاذ محمود كان سيكتب كتابه " العهد الذهبي للإسلام أمامنا" على نفس منوال المؤلف؟ أم سيتجول بالقارئ فى شعاب معرفة جديدة لم يعهدها القراء من قبل؟.. وقد حدث أن الأستاذ وعد بإصدار كتاب فى الرد على الدكتور مصطفى محمود، ولكن حينما صدر كتابه هذا، جاء فيه بمعرفة يمكن أن تدخل القارئ مساكن صمته !!.. فعلى سبيل المثال لا الحصر جاء فى كتابه "القرآن ومصطفى محمود والفهم العصرى" في صفحة 41 "والزمان طاقة متحركة في نفسها، ولكن ليس بنفسها..وعندما تتمركز هذه الطاقة المتحركة فى نقطة معينة منها، وتتحرك حولها بسرعة تختلف عما حولها، يبرز لها تجسيد بصورة تلفت الانتباه، وتتكون حينذٍ، المادة المألوفة عندنا، والتي برزت منها الاكوان المنظورة بالعين المجردة، وغير المنظورة، وهذه الطاقة المتحركة تمثل إرادة المريد، المتفرد بالارادة،، وتجئ هذه الارادة الحكيمة وسطا بين طرفين، من أعلاها العلم، ومن أسفلها القدرة، وهي بذلك تمثل قوام القوة الفاعلة .. " فإن كان الأمر هكذا، لماذا لم يلبس كتابه حلة التواضع فيجئ عنوانه متواضعا فيكون محاولة للإيفاء بوعد الأستاذ!! تحسبا لمستوى ما سيقدمه كتابه من معارف جديدة يثري بها حياة القراء!! وهي قطعا تختلف باختلاف تحقيق وتوحيد كل من الأستاذ والمؤلف!!. وعموما وكما سلفت لذلك الإشارة إن الوفاء بالوعد لازمة من لوازم العارف بالله الذي يُنبأ وينبئ بأخبار السماء. ولهذا وذاك ما كنت أحسب أن مقدمة المؤلف ستغفل عن هذه النقطة الجوهرية التي كانت ستبلور لنا منطلقات المؤلف وهو يحدثنا إنما يكتب كتابه هذا وفاء بوعد قد قطعه الأستاذ على نفسه. وعليه فإن هذا الصنيع قد يضيق لنا المعابر التي يعبر بها القارئ إلى مضمون الكتاب، ويستعصي علينا الولوج إلى ما يريده لنا المؤلف.
أهداف المؤلف:
ذكر المؤلف في كتابه من صفحة 12 "فإذا اتفقنا على أن أصل المشكلة هو أزمة أخلاق، يستطيع كل منا تقديم ما يراه من حلول، ونتحاور حولها . . وهذا هو الحوار الفعال، والمجدي، وكتابنا هذا يأتي في سياق مساهمتنا فى هذا الحوار"، أما فى فى صفحة 12 فتجده يقول: " المسلمون اليوم ليسوا على شئ، وإنما هم فى التية، يعيشون كبقية أهل الأرض الجاهلية الثانية" فكيف نتوقع أن يحاور المؤلف هؤلاء الجهلاء حوارا فعالا ومجديا ؟ وقد حسم أمرهم بأنهم ليسوا على شئ !..أما فى صفحة 220 يقول المؤلف "فإن خلاصة ما يريد هذا الكتاب، أن يدعو له، ويبشر به، هو أن يأخذ الناس- كل الناس- أنفسهم بالسير خلف المعصوم، في إتقان، وتجويد لتقليده، فى اسلوب عبادته، وفيما يطيقون من اسلوب عادته، حتى يأخذوا من سمت هذه الحياة الخصبة، المهدية، الهادية، مفتاح مغاليق القرآن، فيتهيأوا بذلك للأخذ من الله كفاحا، ويكون ذلك سبيلهم إلى صفاء عقولهم، وإلى سلامة قلوبهم، فتتم لهم بذلك الحياة الكاملة – حياة الفكر، وحياة الشعور- " هكذا بشرهم المؤلف بإتباع الطريق النبوي قبل أن يتوافقا على نتائج حوارهم ! فبذا أصبحت الاهداف غير واضحة، فحينا ترمي إلى الحوار وأحيانا ترمي إلى التبشير!!.

مناهج البحث ومصادر المعرفة:
وأول مانبدأ به هو عرض آراء الأستاذ محمود بإيجاز شديد والنهج الذي إتبعه لتحقيق معرفته، حيث قال فى كتابه رسائل ومقالات الجزء الثانى- الطبعة الأولى، من صفحة 3 سعيد يتساءل "ولقد شعرت، حين استقر بي المقام في السجن، أني قد جئت على قدر من ربي، فخلوت إليه.. حتى إذا ما انصرم العامان، وخرجت، شعرت بأني أعلم بعض ما أريد.. ثم لم ألبث، وأنا في طريقي إلى رفاعة، أن أحسست بأن علي لأن أعتكف مدة أخرى، لاستيفاء ما قد بدأ.. وكذلك فعلت". حينما تساءل بعض الناس عنه وقتذاك أوضح لهم الأستاذ في جريدة الشعب (يناير 1951)، بأن الذى حبسه هو البحث عن نفسه التي ضاعت بين ركام الأوهام والأباطيل، وهويبحث عنها على هدي القرآن، وقال حينها "فهل تريدون أن تعلموا أين أنا من ذلكم الآن؟؟ إذاً فاعلموا: اني قد أشرفت على تلك الغاية، ويوشك أن يستقيم لي أمري على خير ما أحب" . . وهكذا جاء بدعوته التى بنيت بشكل اساسي على بعث آيات الاصول التي كانت منسوخة في القرن السابع، ونسخ آيات الفروع التى كانت وقتئذ محكمة، وقد أوضح ذلك في كتاب الرسالة الثانية من الإسلام فى صفحة 11.. "وانما جاء القرآن بمنهاج شريعته، ومنهاج طريقته، وبأدبه في كليهما، ليرفع ذلك الرين، حتى نستطيع أن نعقل عن الله ما يحدثنا في القرآن، فاذا وقع هذا الفهم لرجل فقد أصبح مأذونا له فى الحديث عن أسرار القرآن، بالقدر الذي وعى عن الله" وأصبح واضحا أن النهج الذي حقق به الأستاذ محمود معرفته، هو الاخذ من الله كفاحا، وقد أوضح ذلك في شريط التبسيط (الجزء الثالث) بأن مايقوله ليس اجتهادا، لأن الاجتهاد نحت، وانما هو علم صراح أى علم لدني، ويقول عن واردات علمه، أنها واردات عقل تأدب بأدب الشريعة، ثم بأدب الحقيقة، حتى يباشر حق اليقين، وحق اليقين عنده هو العلم الذي يجعل صاحبه يرى، ويذوق ويلمس الاشياء. وخلاصة القول أن ما جاء به الأستاذ محمود من علم يعبر عن تجربة كبيرة قد عبر عنها كثيرا فى منطقة سقوط التقليد ومنطقة الشرائع الفردية!! كما عبر عنها فى شريط الاصيل، حيث قال "أنا اتكلمت عن مبدأ الاصالة، وكتبت عنه، وماشى فى طريقه تطبيقيا".
تحدث المؤلف في مقدمة كتابه موضع البحث من صفحة 10 "والحق الذي نراه، أن أزمة الاخلاق، كما يعبر عنها واقع الحضارة البشرية القائمة، ليس لها إلا الدين . . والدين الإسلامي بالذات، وعلى الفهم الذي نقدمه في هذا الكتاب . . وقبل ذلك، وفوق ذلك، على الفهم الذي يقدمه الأستاذ محمود محمد طه، والذي ما هذا الكتاب الا صورة من صور التعبير عنه بقلم أحد تلاميذه" إن هذه الجملة لمربكة ومحيرة بقدر ماتحمل هاتان المفردتان من معنى !! " أقرأ مرة أخرى، وعلى الفهم الذي نقدمه في هذا الكتاب . . وقبل ذلك، وفوق ذلك، على الفهم الذي يقدمه الأستاذ محمود محمد طه" هل هذان فهمان مختلفان؟ أم هما فهم واحد يعبر عنه شخصان مختلفان؟؟ وهل المؤلف عبر عن فهم الأستاذ؟ أم عبر عن ما فهمه هو من فهم الأستاذ؟ وحسب اطلاعى على كتاب المؤلف أظنه يعني أنه يعبِّر عن فهم الأستاذ!! وما يؤكد قولي هذا هو ما اختتم به كتابه موضع البحث حيث قال: "يا أهل القرآن لستم على شئ، حتى تقيموا القرآن . .واقامة القرآن كاقامة الصلاة . . علم، وعمل بمقتضى العلم . . وأول الأمر في الاقامتين، اتباع باحسان، وبتجويد لعمل المعصوم . . أقام الله القرآن وأقام الصلاة، وهدى إلى ذلك البصائر والابصار، إنه سميع مجيب" هذا النص الذي ختم به المؤلف كتابه هو النص نفسه الذي ختم به الأستاذ كتابه "طريق محمد" !!ولم يذكر المؤلف أن هذا النص مقتبس من الأستاذ!! و لم ينسبه له من باب حق الملكية الفكرية!!.. وحين دعا الأستاذ أهل القرآن، لم يعتبر المؤلف أنه مدعو معهم !! بل هو يدعوهم بالكيفية التي دعاهم بها الأستاذ!! ويبدو الأمر طبيعيا طالما قلم المؤلف يعبر عن الفهم الذي جاء به الأستاذ، ولذا تجده يستخدم تعابير الأستاذ المتفردة ولايرى ضرورة لينسبها للاستاذ! فاسمعه يقول في كتابه من صفحة 99 "وفى الحق ان الخوف (القهر) هو الذي استل المادة العضوية من المادة غير العضوية، فبرزت بذلك الحياة . ثم ان الخوف هو السوط الذى حشد الاحياء في زحمة سباق التطور . . فالحياة مولودة في مهد الخوف، ومكتنفة بالخوف في جميع مدارجها" هذا مأخوذ من كتاب رسالة الصلاة صفحة 32، ثم بعدها حذف ثلاثة أسطر ليقتبس السطر الرابع من نفس الصفحة "ولايزال الخوف إلى الآن هو الاصل في سوق الحياة إلى كمالها في جانب الله" . . وهناك مثال أكثر دلالة على أن فهم المؤلف هو فهم الأستاذ وهو ما جاء في كتابه من صفحة 197 " ولسائل أن يسأل: إذا كان هذا العصر الذهبي للإسلام، الذي تتحدثون عنه، وتبشرون به ممكنا، فمتى هو؟ أليس من الممكن أن يكون بيننا وبين تحقيقه أمد طويل!؟ هذا ما سنتعرض له بإلاجابة فى الباب التالي"، وهذا مايؤكد أن فهم المؤلف للعصر الذهبى وزمن تحقيقه هو نفسه الذي يعنيه الأستاذ!!.. . فالسؤال الذى يجب أن يطرح، اذا كان الأستاذ قد عبر عن فهمه في خمس وثلاثين كتابا، فما الذي يريد أن يعبر عنه المؤلف؟؟.

والاخطر من ذلك ما جاء به المؤلف فى صفحة " 112 " وكل الذي نذكره هنا عن القرآن، يقع في مجال التأويل – مستوى آيات النفوس- وقد تحدثنا في هذا الكتاب عن التأويل فليراجع فى موضعه، فالتأويل هو رد الشئ إلى ما يؤول إليه.." والذي يرجع إلى الموضع الذي أشار اليه المؤلف في كتابه يجده فى صفحة 68 " وللقرآن تفسير، وله تأويل . . وبين التفسير والتأويل اختلاف مقدار، لا اختلاف نوع . . فالتفسير قاعدة هرم المعاني، والتأويل قمته . . وتتفاوت المعاني بين القاعدة والقمة، من صورة الكثافة إلى صورة اللطافة. . فلكأن التأويل هو الطرف اللطيف من التفسير.." فقد اقتبس هذا الحديث من كتاب الأستاذ القرآن ومصطفى محمود من ص 18 وكرره فى صفحة 23، ولم يذكر قط أنه اقتبسه من كتاب الأستاذ محمود وهذا السلوك اصبح لدينا مألوفاً! ولكن السلوك غير المألوف وغير المقبول: كيف تجرأ قلم المؤلف أن يحيل القارىء إلى كتابه ولم يحله إلى كتاب الأستاذ محمود !! فقد شرح الأستاذ ذلك في كتابه من صفحة 18 -26 فانا فى حيرة من أمري فالذي فعله المؤلف يتنافى مع كل الاعراف والقوانين والادبيات الخاصة بالتأليف والاصدارات وحقوق الملكية الفكرية التي انتهكها المؤلف في معظم كتابه..فلكأنه بهذا الصنيع أصبح حديث الأستاذ محمود عن التفسير والتأويل - والمقتبس من كتابه - ملكا فكريا للمؤلف خالد الحاج لان القراء الذين يقرأون ويرغبون في الاقتباس للتدليل من كتاب العصر الذهبي لايعرفون هذا الحديث مقتبساً من كتاب القرآن للاستاذ محمود،!! فهل بعد هذا النهج يمكن القول بأن كتاب استاذ خالد يعمل على نشر أفكار الأستاذ؟
فالنهج الذي انتهجه المؤلف، قد ارتكز- وبشكل أساسي – على قراءة وتحليل آراء كتاب غربيين وتحليل لواقع المسلمين اليوم ومستقبل البشرية وحتمية الدين وذلك من خلال رؤى ومفاهيم الأستاذ محمود، مستخدما في ذلك اسلوبه الخاص حينا، واسلوب الأستاذ محمود ومفرداته أحيانا كثيرة، ولكن نجده بين هذا وذاك تتأرجح آراؤه بين معطيات واقعه والتجربة الروحية التي تفرد بها الأستاذ محمود. وقد ظهر هذا التأرجح في كلماته المليئة بالتناقض، فتجده أحيانا يستخدم كلمات تنم عن التوحيد، حيث يقول فى كتابه من صفحة 92 " ونحن إنما نقيم الامور من خلال ميزان التوحيد"، كما قال أيضا في كتابه من صفحة 10 "نحن نجزم أن الحضارة القادمة، حضارة دينية، ونعتقد أننا ننطلق من منطلقات موضوعية" بينما تجده أحيانا يتحدث من منطقة عقيدته، كما جاء ذلك فى صفحة 20 "وأنا إذ أقول ذلك، إنطلق من إيماني، ومن تصوري للتوحيد ..أقرأ مرة أخرى "من تصوري للتوحيد" هل يمكن لاحد أن يجزم بمعرفة مبنية على تصور للتوحيد؟ ورغم أن المؤلف نفسه يقول أن المعرفة في الإسلام تحقيق وليست نظرية!! فاسمعه يقول فى صفحة 100 من كتابه: "فالمعرفة في الإسلام لاتنفصل عن الحياة . . فالمعرفة تحقيق وليست مجرد تنظير، فما تعلمه تكونه . . ولذلك منهج الإسلام كله يقوم على الربط بين العلم والعمل" . .
وعليه فإن الفهم الذي جاء به الأستاذ يحكي عن تجربتة الروحية، أما الذين يتحدثون عن تجربة الأستاذ لايتعدون سدرة علمهم ، ويطالعهم قوله تعالى "يا آهل يثرب لامقام لكم فارجعوا". فقد تحدث الأستاذ كثيرا عن ان تفسير القرآن ليس هو القرآن، إنما هو فهم المفسرين للقرآن، وهذا ينطبق على الذين يتحدثون عن فكر الأستاذ، فهم يتحدثون عن فهمهم الكسبي كل حسب طاقته.
ولان نهج البحث وأصالة المعرفة غير واضحين عند المؤلف تجده دوما يحاول أن يربط فهمه بفهم الأستاذ فتجده فى صفحة 6 من كتابه يقول" نحن هنا، بالطبع، لسنا بصدد مناقشة الحضارة الغربية، وإنما نحن بصدد تقديم الإسلام كمدنية جديدة"...وفي صفحة 8 يقول "ونحن هنا، في هذا الكتاب، نطرح تصورا، مختلفا، عما يدركه فوكوياما عن الإسلام ، وعن تصور الجماعات الإسلامية التى بنى موقفه اعتمادا عليها" أما ما قاله فى صفحة 78 " من كل ما تقدم، يتضح أن موضوع العصر الذهبي للإسلام أمامنا- يقوم على أسس متينة من التوحيد، ومن النصوص الدينية المستفيضة من القرآن والسنة.." أي توحيد قام عليه العصر الذهبي للإسلام ؟ هل هو توحيد الأستاذ ؟ أم توحيد المؤلف الذي يتصوره كما ذكر سابقا ؟ أم من كليهما ؟ وهل الاساس المتين مبني على النصوص أم على فهم النصوص؟ وأى فهم للنصوص يعني؟ هل فهمه أم فهم الأستاذ ؟.

مناقشة مخرجات الكتاب
العصر الذهبي للإسلام:
تحدث المؤلف عن العصر أو العهد الذهبي للإسلام في عدد من المواقع، ولكن خلاصة قوله في هذا أن العصر (العهد) الذهبى للإسلام يعني عنده المرحلة الرابعة من النشأة الانسانية، والتي عندها تتحقق خلافة الله على الأرض ، وحينها تشرق الأرض بنور ربها. علاوة على ذلك فقد ذكر المؤلف الارهاصات الاخرى المرتبطة بالتغيير المرتقب والتي تعج بها مؤلفات الأستاذ محمود ! وعموما سوف نذكر بعض الامثلة التي ذكرها المؤلف عن العصر الذهبي للإسلام.. جاء فى كتابه من صفحة 99 " فهذه المرحلة الرابعة هي موضوعنا، وهي التى تعنينا بالذات حين نبشر بالعهد الذهبي للإسلام . . فالعهد الذهبي للإسلام هو عهد ظهور المرحلة الرابعة من نشأة الانسان".. وفي صفحة 70، يقول المؤلف "هنالك من معاني القرآن ماهو مدخر لمستقبل البشرية، لتحقق به كمالاتها، وتدخل به عهد إنسانيتها، وبه يكون العصر الذهبي للإسلام"..فى صفحة 110 يقول المؤلف "مقام الحقيقة المحمدية – الانسان الكامل – هو مقام في الملكوت، ولكنه بفضل الله يتنزل في كل يوم إلى عالم الملك، حتى يتجسد على الأرض ، وبتجسيده تتحقق خلافة الأرض ، المشار إليها بقوله تعالى "إنى جاعل في الأرض خليفة" . . وبذلك يتم التطابق بين الملك والملكوت، فيسترد الفردوس المفقود، وتتحقق جنة الأرض ، وتشرق الأرض بنور ربها، ويحل في ربوعها السلام، وبذلك يحل العصر الذهبي للإسلام، والذي فيه تقوم دولة القرآن على الأرض جميعها، فيكمل تحقيق الدين، بعد أن كمل إنزاله وهذا معنى قوله تعالى: " اليوم أكملت لكم دينكم، وأتممت عليكم نعمتي، ورضيت لكم الإسلام دينا".
ومن ما سبق يتبين لنا أن كتاب المؤلف لم يتضمن جديدا عن معالم العصر (العهد) الذهبي للإسلام اللهم الا عن طريق تلك المعلومات التي اقتبست من مؤلفات الأستاذ محمود والتي تتحدث عن ما ينتظر البشرية في مقبل ايامها. وحري بنا أن نقول أن الأستاذ محمود حينما وعد بكتابه " العهد الذهبي للإسلام أمامنا" لا أظنه كان يعني تكرار ما قاله من قبل عن مرحلة الانسانية المقبلة، إنما كان يرمي إلى الجديد الذي استعصى على المؤلف الولوج فيه ! بالرغم من أنه أكثر التطواف حول حماه !.

النأي عن قضايا الخلاف
تطوير التشريع:
بالرغم من ان المؤلف قد تحدث كثيرا عن أن الأرض قد تهيأت للتغيير المرتقب والذي به يحل العصر الذهبي للإسلام، الا أنه لم يذكر الناحية العملية لهذا التهيؤ والذي يعني فيما يعنى تطلع الانسان للكرامة والمساواة. وربما يعود ذلك الى أن المؤلف يريد أن يتجنب إثارة القضايا التي تثير الخلاف بين الأستاذ محمود وبقية الفرق في الدين الإسلامي! وهذا ربما تكون له أهميته عند المؤلف لأنه استهدف بكتابه الحوار، وإثارة القضايا الخلافية قد تقعد بالحوار الذي يدعو له، أو قد تثير جدلا غير محمود العاقبة !! .. والقضايا الخلافية فى دعوة الأستاذ محمود، تعني بشكل أساسي تطوير التشريع المبني على الآيات المنسوخة، وما يولد ذلك من جدل حول من له الحق في أن ينسخ أو يحكم آيات بعد انتقال النبي إلى الرفيق الأعلى ؟.. فقد ذكر المؤلف تطوير التشريع في كتابه من صفحة 88، حيث قال "وبعد التطور الكبير فى الحياة، منذ القرن السابع وإلى اليوم، استعدت الحياة في الأرض ، لآيات الاصول، بالطاقة بها والحاجة لها . . فأصبحت مشاكل الانسانية المعاصرة لاتجد حلها إلا في آيات الاصول هذه ، فوجب الاخذ بها عقلا، و دينا . . "واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم، من قبل أن يأتيكم العذاب بغتة وأنتم لاتشعرون"، وتطوير التشريع ينصب على النصوص، المتعلقة بتنظيم المجتمع، ولايشمل الحدود والقصاص، ولايشمل تشريع العبادات، الا الزكاة ذات المقادير" .. وماذا يعني المؤلف بالنصوص، المتعلقة بتنظيم المجتمع ؟ ولماذا لم يوضحها للقارئ بشكل واضح ومفهوم ! فالنصوص التي لم يذكرها المؤلف، ذكرها الأستاذ وأسهب في شرحها في الباب الخامس من الرسالة الثانية (ص 118 – 133)، حيث قال: الجهاد ليس أصلا في الإسلام ، الرق ليس أصلا في الإسلام ، الرأسمالية ليست أصلا في الإسلام ، عدم المساواة بين الرجال والنساء ليس أصلا في الإسلام ، تعدد الزوجات ليس أصلا في الإسلام ، الطلاق ليس أصلا في الإسلام ، الحجاب ليس أصلا في الإسلام ، المجتمع المنعزل رجاله عن نسائه ليس أصلا في الإسلام . وهذه النصوص هي التي نأى المؤلف عن ذكرها في كتابه !!.

وكما ذكرت سابقاً أن المؤلف تحدث عن مستقبل الدين بثقة لايداخلها شك، إلا أن حديثه عن تطوير التشريع كان إيماءً !!، فاسمعه يقول في صفحة 224 "فالدعوة للإسلام، إما ان تكون دعوة لهذه الاصول، حيث قيم الدين الأساسية، أو تكون دعوة للفروع المرحلية . . إما أن تكون الدعوة لآيات الجهاد الاصغر، جهاد الحرب (فإذ أنسلخ الاشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجتموهم)، ورصيفاتها من الآيات، وما يتبع ذلك من وصاية المسلمين على غير المسلمين، ووصاية المسلمين، بعضهم على بعض، ووصاية الرجال على النساء، ومايقوم عليه ذلك من نصوص وتشاريع. . أو تقوم الدعوة على آيات الاصول، آيات (فذكر إنما أنت مذكر* لست عليهم بمسيطر)، وأخواتها، وهن كثر، وما ينشأ عنها من جهاد أكبر (جهاد النفس)، جهاد السلام. . وما يتأسس عليها من نصوص وتشاريع، ترفع الوصاية عن غير القصر، وتؤسس للمسئولية والرشد. . " ثم يسترسل في الحديث حتى يقول فى صفحة 225 " والاصوات العالية بالدعوة للإسلام اليوم، هي أصوات تقوم على إدعاء الجهاد الاصغر، في غير وقته، وهي بذلك تشوه الإسلام ، بل، وتشوه حتى الجهاد الاصغر" ثم يواصل مسترسلا في نفس الصفحة، حيث يقول " إن من يدعو اليوم، إلى الحرب، والعنف باسم الدين، هو على أحسن أحواله، جاهل بالله، جاهل بحكمته في الوقت . . فان حكم الوقت الواضح، هو للسلام، "وماترك من الجهل شيئا، من أراد أن يظهر في الوقت خلاف ما أظهره الله فيه"، كما يقول ابن عطاء الله السكندري . . فأي صاحب دعوة، دينية كانت أو فلسفية، يدعو للحرب والعنف، أو يبررهما بأي صورة من الصور – فى غير حالة الدفاع عن النفس – لايستحق أن ينظر في دعوته مجرد النظر، فهي باطلة ابتداءً، ولايمكن أن ينتج عنها الا الشر المستطير " ...أقرأ مرة أخرى ما قاله المؤلف "هي أصوات تقوم على إدعاء الجهاد الاصغر، في غير وقته، وهي بذلك تشوه الإسلام ، بل، وتشوه حتى الجهاد الاصغر " فإن كلمات المؤلف عن تطوير التشريع جاءت على استحياء ! تتوارى حتى عن الحوار، ولم تسفر بوضوح عن وجهة الخلاف القائل بأن "الجهاد ليس أصلا فى الإسلام "! وأن الإسلام برسالته الاولى لايصلح لانسانية القرن العشرين! فإذا كان قلم المؤلف – كما ذكر من قبل- يعبر عن ماقاله الأستاذ، فلماذا لم يملأ بمداد جرأته ويخط بصمامة كلماته التي لاتخاف ولا ترتاب عن تسطير الحق ويقول كما قال في كتاب تطوير شريعة الاحوال الشخصية من الصفحة 70 "جميع آيات الوصاية على النساء منسوخة منذ اليوم بآية "ولهن مثل الذى عليهن بالمعروف، وللرجال عليهن درجة"...وجميع آيات الوصاية على الرجال، وعلى النساء منسوخة، منذ اليوم، بآيتي"فذكر إنما أنت مذكر * لست عليهم بمسيطر"..وجميع آيات الرأسمالية في القرآن منسوخة بآية "ويسألونك ماذا ينفقون؟؟ قل العفو" إن هذه النقاط التى لم يتعرض إليها المؤلف تعتبر هي مسار الخلاف بين الأستاذ محمود وبقية المسلمين !! فبدون ذكرها لن تشرق شمس جديدة فى سماء التغيير، ولن يتسلل نورها إلى كهوف الذين "تحسبهم أيقاظا وهم رقود"!!

النسخ في القرآن:
تحدث المؤلف عن موضوع النسخ والرسالة الثانية كأمرين بديهيين!!.. فقد قال في كتابه من صفحة 87 "فكأن الايات التى نسخت إنما نسخت لحكم الوقت، فهى مرجأة الى ان يحين حينها . . فإن حان حينها، فقد أصبحت هي صاحبة الوقت، ويكون لها الحكم، وتصبح، بذلك هى الآية المحكمة، وتصير الآيات التي كانت محكمة، في القرن السابع، منسوخة" كما قال فى صفحة 84 "مما تقدم يتضح أن الإسلام كما هو في القرآن وكما بلغه النبي في سنته، وفي شريعته، رسالتان، وليس رسالة واحدة.. رسالة اولى قامت على فروع القرآن – القرآن المدني - ورسالة ثانية تقوم على أصول القرآن - القرآن المكي" ... فهل أمر الرسالتين متاح فى القرآن وسنة النبي وفي شريعته لكل مسلم بالبداهة التي عرضها المؤلف؟ وهل هناك رسالة ثانية فى الشريعة؟ أم هو أمر جديد ولم يكن فهمه متاحا فى القرآن لأن القرآن لاينطق إنما كان الأستاذ هو أول الناطقين عنه فى أمر الرسالة الثانية وتحكيم المنسوخ، وذلك حين قال " ومما تنطق به صدور الذين أوتوا العلم أن طريق العهد الجديد - طريق المسلمين على الأرض - ترسم خط سيره آيات الاصول – الآيات المكية – تلك التي كانت في العهد الاول منسوخة بآيات الفروع – الآيات المدنية، وإنما نسخت آيات الاصول يومئذ لحكم الوقت" (الرسالة الثانية ص11).. "
فكل ما يعرفه المسلمون عن القرآن هو الفهم المطروح عن القرآن المحكم –القرآن المدني- الذي بلغه النبي (صلى الله عليه وسلم) وبنيت عليه الشريعة الإسلامية، فهل في هذا المستوى رسالتان ؟ وهل يقبل المسلمون أن ينسخ القرآن الذي حكمه النبي (صلى الله عليه وسلم) أم يشق عليهم الأمر ؟ فالأستاذ يقول "ولكن رسول الله قد التحق بالرفيق الأعلى وترك ماهو منسوخ منسوخا، وماهو محكم محكما . . فهل هناك أحد مأذون له في أن يغير هذا التغيير الاساسي، الجوهري، فيبعث ما كان منسوخا، وينسخ ما كان محكما ؟؟" (الرسالة الثانية، صفحة 10)...فأصبح من حق القراء على المؤلف أن يبين لهم من له الحق في أن ينسخ أو يحكم ؟ وهل هنالك رجل مأذون بعد - ختم النبوة - يمكن أن يتلقى من الله أمر النسخ والتحكيم الاعلى؟ أما حديث المؤلف الذي نقله عن الأستاذ عن أن النبي محمد هو رسول الرسالتين يحتاج الى توضيح !! فاسمع الأستاذ في كتابه الرسالة الثانية من الإسلام، من صفحة 17 يقول "إن محمدا رسول الرسالة الاولى، وهو رسول الرسالة الثانية ..وهو قد فصل الرسالة الاولى تفصيلا، واجمل الرسالة الثانية إجمالا، ولا يقتضي تفصيلها الا فهما جديدا للقرآن، وهو ما يقوم عليه هذا الكتاب الذي بين يدي القارئ" .. ومن البديهي أن يخطر بذهن القارئ أن الرسالة الثانية تقتضي رجلاً مأذوناً ليقوم بتفصيلها، وقد بين الأستاذ هذا في كتابه الرسالة الثانية من صفحة 11 " وانما جاء القرآن بمنهاج شريعته، ومنهاج طريقته، وبأدبه في كليهما، ليرفع ذلك الرين، حتى نستطيع أن نعقل عن الله ما يحدثنا في القرآن، فاذا وقع هذا الفهم لرجل فقد أصبح مأذونا له في الحديث عن أسرار القرآن، بالقدر الذي وعى عن الله" فبذا يتضح أن للرسالة الثانية رسولاً!! وهذا ما قاله الأستاذ في صفحة 11 "من رسول الرسالة الثانية؟؟" وأجاب فى نفس الصفحة بأنه "هو رجل آتاه الله الفهم عنه من القرآن، وأذن له في الكلام.." ويتضح من هذا أن الحديث عن الرسالة الثانية دون الحديث عن الأستاذ، يعتبر عرضاً لإطار دون محتوى! فمحتوى الدعوة هو صاحبها ! فما جافاه المؤلف في تلك النقاط المذكورة يعتبر هو أس الخلاف بين الأستاذ محمود ودعاة الإسلام !!، كما يتضح من هذا أن القارئ لمقدمة الطبعة الرابعة من كتاب الرسالة الثانية، يجد المؤلف قد اقتبس منها ما يدلل به على النسخ وتطوير التشريع، ولكن ترك أشياء ضرورية للغاية بالنسبة لتوضيح رؤية الأستاذ...فلا أدري لماذا لم ينسب المؤلف أمر النسخ والرسالتين للاستاذ محمود باعتباره صاحب هذا الأمر ولم يسبق عليه !!، كما لم يحل القارئ لكتاب الرسالة الثانية لمزيد من التوضيح !! وهذا أيضا ينصب في نظري (كما ذكرت آنفاً) في نأي المؤلف عن القضايا التي تثير الخلاف!!.

الواقع الجمهوري :
إن الدعوة الجمهورية منذ 18 يناير 1985، لم تكن حاضرة في الساحة السياسية، أو ساحات الفكر والاستنارة، إنما كانت كامنة في مؤلفات الأستاذ محمود. وأنا لا أعني أن ليس هنالك مشاركة فكرية مقدرة من بعض تلاميذ الأستاذ في شتى المجالات، إنما اعني التعبير الجماعي، الذي يضع الجمهوريين كدعاة، كما كان سابق عهدهم .
الجدير بالذكر أنه لم يكتب أحدٌ مقوماً التجربة الجمهورية ما بعد 1985! كما لم يكتب أحدٌ ما الذي حصل لهذه الجماعة؟ وما الذي سيحصل لها؟ وبين هذا وذاك، نجد سيوف الوصاية تشهر من أغماد صمتها لتقعد رؤى المتطلعين إلى آفاق فردياتهم !! فكيف ونحن في هذا الحال المأزوم - حيث لم تفضِ بنا حيرتنا إلى بر يقيننا – أن يدعو داعٍ الآخرين على النهج الذي قال به المؤلف من صفحة 220 "فإن خلاصة مايريد الكتاب أن يدعو له، ويبشر به، هو أن يأخذ الناس – كل الناس – أنفسهم بالسير خلف المعصوم، في إتقان، وتجويد لتقليده"...ويسترسل في الحديث حتى يقول "ويكون ذلك سبيلهم إلى صفاء عقولهم، والى سلامة قلوبهم، فتتم لهم بذلك الحياة الكاملة، حياة الفكر، وحياة الشعور". ومن هذا المنطلق قد يسأل سائل هل ما يدعو له المؤلف قد تحقق على أرض الواقع، كي يُحتذى به! خاصة وأن الأستاذ قد تحدث عن هذا كمقدمة طبيعية لانتصار الفكرة حيث قال حينها "الجمهوريين بدأوا بابراز النموذج الفرد، وهم نماذج في الوقت الحاضر بتطبيقهم للمنهاج ليصل الفرد لحل مشاكله الداخلية، بتحرر الانسان من الخوف، بيعملوا العمل لانفسهم وبيقدموه للناس بلسان الحال ولسان المقال، ودا الدور البيعملوهو في السودان. . بعدين بيخرجوا الدولة النموذج...بسعيهم في السودان بزيد عددهم بقناعة الناس بيهم، لغاية مايجو للسلطة، فاذا جو للسلطة، بكون دور التشريع والتنفيذ" (فى شريط تسجيلي في لقائه مع عمر جون , 1983)، ومن هذا المنطلق قد يسأل سائل لماذا لم يبرز المجتمع النموذخ خلال الثماني وعشرين سنة المنصرمة، وقد تتباين الآراء في هذا، ولكن السؤال المهم، هل - بعد 18 يناير 1985 وفي ظل هذا الوضع الراهن هل يمكن أن يبرز الفرد الجمهوري إلى مقام الفردية الذي يجعله حراً في تفكيره، متميزاً في اسلوبه، ومجافيا التوكؤ على نصوص ومعارف الآخرين ؟.
الاستدلال والاقتباس
تفسير أو تأويل القرآن: يعتبر فهم الأستاذ للقرآن هو المرتكز الاساسي لفكرته، وهو فهم يختلف عن كل الفهوم، وهو مدعاة للغرابة التي تحلت بها فكرته !! وقد نقلها المؤلف جميعها دون أن ينسبها للاستاذ!!، ولا أستطيع الخوض في هذا الأمر لكثرته، ولكن سأكتفي بذكر نموذج واحد فقط :
جاء في كتاب المؤلف من صفحة 67 السطر 9 (كل يوم هو في شأن) "فشأنه هو إبداء ذاته لخلقه ليعرفوه، ويومه هنا هو وحدة زمنية التجلي، وهي وحدة تدق حتى لتخرج من الزمن . . ففي كل لحظة، الله تعالى يبدي ذاته ليعرفوه" وأنزلنا اليك الذكر لتبين للناس ما نزل اليهم ولعلهم يتفكرون ص 84 ....عرض أفكار الأستاذ محمود دون تأكيد واضح لذلك، بل أكثر من ذلك لايقول ان المطلع على كتاب الرسالة الثانية يجد كذا وكذا، بل يقول: القرآن يقول كذا وكذا كأنما هذا الفهم مبذول في القرآن...وهذا ما قال الأستاذ عنه "لاينطق وإنما ينطق عنه الرجال"...يضاف إلى هذا أن المؤلف لايحيل القارئ إلى مؤلفات الأستاذ لمزيد من التوضيح، بل يقول قد ذكرنا ذلك باعتبار ماذكره الأستاذ وماذكره هو شيئ واحد، ولذلك لايرى الضرورة التى يراها الأستاذ حينما يحيل القراء الى مؤلفاته لمزيد من التفصيل..

تحريف المعاني بإستبدال المفردات:
وفي صفحة 177 يقول المؤلف "أما قمة الكمال، الذي سيتحقق على الأرض ، في هذه الدورة من دورات الحياة، حسب تصور الإسلام ، الذي نطرحه، فتتحقق بالعهد الذهبي الذي نتحدث عنه . . وفي هذا العهد يتم إشباع حاجات الإسلام في مستوى رفيع، وتقفز الحياة البشرية درجة في سلم التطور، تشبه القفزة التي تمت بالانتقال من مرحلة الحيوان الى مرحلة البشر الحاليين"، بينما جاء في كتاب الأستاذ "الثورة الثقافية" صفحة1 "والتغيير الجذري الذي نعنيه هو تغيير لم يسبق له مثيل، منذ بدء النشأة البشرية . . هو تغيير تدخل به البشرية المعاصرة مرتبة الانسانية . وتلك مرتبة يتطلب دخولها قفزة أكبر من تلك التي حدثت لدى دخول الحيوان مرتبة البشرية . . وسيحدث ذلك، بفضل الله، ثم بفضل الفكر الصافي".

"المجتمع الصالح" عنوان ورد فى كتاب الرسالة الثانية من الإسلام في صفحة 142، حيث جاء في السطر الخامس منه "والمجتمع الصالح هو المجتمع الذي يقوم على ثلاث مساويات: ....الخ" وحتى السطر الخامس والثلاثين من نفس الصفحة. أما المؤلف فقد قام بتعديل العنوان في كتابه من صفحة 153 بعنوان جديد، هو "ماهو المجتمع الكامل"، حيث اقتبس المؤلف كل ماجاء تحت عنوان "المجتمع الصالح" للاستاذ، بيد أنه أضاف جملة فى مطلع الاقتباس عرف بها المجتمع الكامل حيث قال "المجتمع الكامل، هو المجتمع الذي يتكون أفراده – من نساء ورجال كمل – وهو مجتمع يقوم في القاعدة على ثلاث مساويات" وواصل فى النقل حتى آخر كلمة تحت العنوان المذكور. لم يضع المؤلف أقواس الاقتباس ليحدد المكان الذى اقتبس منه ! فقط كتب الرسالة الثانية ! وكان يجب عليه أن يضع أقواس الاقتباس بعد السطر الذي أضافه هو حتى لايحسب القارىء أنه من كلام الأستاذ !ّ وهذا الأمر في غاية الاهمية إذ لاعلاقة بين السطر المضاف وما جاء في حديث الأستاذ تحت عنوانه المجتمع الصالح !!. يضاف إلى هذا، أن هنالك أخطاء داخل المادة المقتبسة مثل " نتيجة للمساويين" عند الأستاذ، ولكن المؤلف كتبها " نتيجة للمساواتين"، أيضا حذف "ثم" واستبدل كلمة العرف " الجماعي" الواردة عند الأستاذ بكلمة العرف "الاجتماعي" . والغريب في الأمر نجد المؤلف يستخدم عبارة "المجتمع الكامل" كمرادف لعبارة "المجتمع الصالح" في نفس الصفحة! فإذا كان الأمر هكذا فلماذا قام بتبديلها؟ وإن لم يكن الأمر هكذا، فما السر في هذا التغيير؟

جاء في كتاب رسالة الصلاة صفحة 10 "وللانسان في هذه النشأة الطويلة أربع مراحل متصلة الحلقات، ولا يفصل بينها الا حلقات من السلسلة، أكبر من سابقتها، تمثل قفزة في سير التطور . . وتمثل هذه القفزة بدورها حصيلة الفضائل العضوية التي استجمعت من خلال المرحلة السابقة. . وهذا التقسيم إلى أربع مراحل إنما هو لتبسيط البحث فقط : والا فإن داخل كل مرحلة، مراحل يخطؤها العد".
أما ما جاء في كتاب المؤلف في الصفحة 94 فهو محاولة لتلخيص ووضع حديث الأستاذ في صيغة جديدة! فقد جاء الآتي نصه "ويمكن تلخيص أطوار الانسان في أربع مراحل متصلة يتم التحول فيها من مرحلة إلى مرحلة بقفزة في التطور، وهذه القفزة هي حصيلة خصائص أو فضائل استجمعت في المرحلة السابقة . . وهذا التقسيم الى أربع مراحل إنما هو للتبسيط، والا فإن اى مرحلة تحتوي على العديد من المراحل ". حذف المؤلف جملة "متصلة الحلقات، ولا يفصل بينها الا حلقات من السلسلة، أكبر من سابقتها، تمثل قفزة في سير التطور" بعد كلمة متصلة . . فكيف تكون متصلة مادام تفصل بينها حلقات !! وهل كلمة " خصائص" التي استخدمها المؤلف كمرادفة لكلمة " فضائل"، هل هي حقيقة تعني ذلك؟ .. وهل عبارة "أي مرحلة تحتوي على العديد من المراحل" تعني عبارة الأستاذ " فإن داخل كل مرحلة، مراحل يخطؤها العد"؟
ومثال أخير ندلل به على تغيير المؤلف للمفردات التي تنحرف أو تشوه المعنى. . في صفحة 97 قال المؤلف "والحاسة السادسة هي الدماغ . .ووظيفتها هي الادراك المحيط والموحد (بكسر الحاء) لمعطيات الحواس الاخرى – اللمس، والسمع، والبصر، والذوق، والشم – فإذ قويت هذه الحاسة السادسة يكون إدراكها لكل شىء عظيم الشمول، فكأنها تلمسه، وتسمعه وتراه، وتذوقه، وتشمه، في آن واحد"، أما نص الأستاذ فقد جاء تحت عنوان الحاسة السادسة صفحة 18، كالآتي: " هي الدماغ . .ووظيفتها هى الادراك المحيط والموحد (بكسر الحاء) لمعطيات الحواس الاخرى- اليد، والاذن، والعين، واللسان، والانف – في الحس، والسمع، والبصر، والذوق، والشم . . فإذا قويت يكون إدراكها لكل شئ عظيم الشمول، فكأنها تحسه، وتسمعه وتراه، وتذوقه، وتشمه، في آن واحد. ." أما المؤلف فقد أقتبس من الأستاذ كل ما جاء تحت عنوان الحاسة السادسة، ولكنه استبدل اليد، والاذن، والعين، واللسان، والانف –" بالآتي " اللمس، والسمع، والبصر، والذوق، والشم" وهذه هي وظائف الحواس لا الحواس !! وواضح جدا أن الأستاذ يعني الحواس ولايعنى وظائف الحواس!! والجدير بالذكر ان هذا الاقتباس والاقتباس الذي سبقه، لم ينوه المؤلف إلى أنهما مقتبسات من الأستاذ محمود !!.
Next Page