رؤية التيارات الإسلامية لقضايا المواطنة والدستور (دراسة تحليلية مقارنة)


بقلم الأستاذ: أكرم عبد القيوم



المقدمة المنهجية
تتناول هذه الدراسة تقييم الخطاب السياسي للحركات الإسلامية في السودان (الحزب الحاكم ، المجموعات السلفية، وحزب الوسط الإسلامي)، من خلال قراءة نصوصه الواردة فيما يتعلق بقضايا المواطنة ومحددات المبدأ العام لها، وتحاول من خلال هذه القراءة كشف وتقيم التعارض في نص ومضمون الخطاب السياسي المتعلق بقضايا المواطنة، ومحاولة استنباط الإشارات القطعية للتعارض نصاً ومضموناً بين الخطاب السياسي من جهة، والمعيارين القانوني والسياسي لمبدأ المواطنة من جهة أخرى.
وانطلقت الدراسة من الافتراض المنهجي بأن أبرز القضايا الأساسية المطروحة الآن على الساحة الفكرية الإسلامية ، والتي شغلت الفكر الإسلامي ولا زالت تشغله، قضية علاقة المواطنين بالدولة في إطارها القومي، ولذلك خصصنا هذه الدراسة لتتناول بالبحث والتقييم والاهتمام جزء من هذا الموضوع.
إذ إنه من المتفق عليه أن الدولة الحديثة تأسست في إطارها القومي، على عدة مقولات تحكمها السيادة والشرعية التي ترسخ لسلوك المواطنة، من خلال متلازمات العلمنة السياسية الحديثة، عبر خطاب سياسي وثقافي يهتم في مكوناته بالدور الفاعل لقوى المجتمع، ويستخدم صيغاً قانونية وسياسية تحدد الحقوق والواجبات، وتجعل من المواطنة مبدأ للشجاعة العملية وضمان للانضباط والسيطرة على المحكومين والرعايا وتكون مبادئ المواطنة ركناً أساسياً للدولة وعلاقة المواطنين بها.
صممت الدراسة لتحليل الربط المنهجي بين نص ومضمون الخطاب السياسي من حيث التناقض أو التلازم وبين مبدأ المواطنة الذي تم تحديده من خلال المعيارين الموضوعين. يقوم منهج البحث على التقييم، كما استخدم الباحث كلاً من تحليل المضمون والمعايير التي قام الباحث بتصميمها بغرض تقييم النصوص على ضوء المعيارين السياسي والقانوني لمبدأ المواطنة، وقد شملت هذه النصوص تصريحات رموز ومفكري التيارات الإسلامية المختلفة ، وقيادي الحزب الحاكم الواردة في بعض الصحف اليومية والمجلات والدوريات، بالإضافة لبعض الإدبيات المنشورة . وقد أسفرت هذه الدراسة عن وجود تعارض بين نصوص ومضامين الخطاب السياسي للحركات موضوع الدراسة وبين مبدأ المواطنة العام.، كما أن نصوص ومضامين الخطاب السياسي تلك الحركات تتعارض مع المعيار السياسي للمواطنة. كذلك تتعارض نصوص ومضامين الخطاب السياسي مع المعيار القانوني للمواطنة. ومن خلال إعادة تقييم النصوص اتضح للباحث بعض الملاحظات المهمة في الأهداف السياسية للحركات موضوع الدراسة، والمتسقة مع التطور النسبي الحادث في الخطاب السياسي للحزب الحاكم في ما يتعلق بقضايا وشروط المواطنة، نتيجة للتطورات السياسية الداخلية والخارجية الراهنة مما يجعل هذه المتغيرات تصلح لإجراء دراسات مستقبلية حولها.
واعتمدت الدراسة على التقييم كمدخل باعتباره عملية منهجية لضبط النوعية ويعني إصدار حكم لغرض ما على قيمة الأفكار والأعمال والحلول.
وهو يتضمن استخدام المحكمات والمستويات والمعايير التي يتم إعدادها أو اختيارها للتعرف من خلال إعادة التقييم على مدى تحقيق المستوى المطلوب لبلوغ المعيار، وتقدير مدى كفاية الأشياء ودقتها وفعاليتها. وهدفه الأساسي تقديم الرؤية الراجحة التي تؤدي إلى تحقيق نواتج ناجحة محددة بعبارات عملية دقيقة وواضحة.
فحينما ندرس ظاهرة من الظواهر علينا أن نختار مقياساً أو معياراً لقياس هذه الظاهرة، ومدى ارتباطها بغيرها من الظواهر في المكان الواحد والأمكنة المتعددة، وكذلك بالنسبة للزمان على أن يكون ملائماً في اختباره وتطبيقه لنحصل بواسطته على النتائج المرضية. وقد يختار الباحث أكثر من مقياس أو معيار بهدف الكشف عن حقيقة الظاهرة وجوانبها المتعددة، وإعطاء أبعاد أكثر للتحليلات والتقييم، وبالتالي يكون التعمق والموضوعية في البحث أكثر.
أستخدم الباحث في خلال الدراسة الأدوات الآتية:
1. تحليل المضمون: باعتباره أداة للتعريف بخصائص الرسالة أو النصوص، كذلك لاختبار فروض البحث.
2. تصميم معيارين: المعيار السياسي والمعيار القانوني لمبدأ المواطنة، إذ أن البحوث التقييمية لا يكون هدفها مجرد تحديد الوضع، ولكن لابد من تحديد كفاءته عن طريق مقارنته بمستويات أو معايير تم اختيارها أو إعدادها.
قام الباحث بتحليل مضمون النصوص التي تم جمعها من بعض الصحف اليومية، والمجلات والدوريات، وذلك باستخدام طريقة التحليل الوصفي التي تم بموجبها استعراض النصوص ومن ثم الوقوف على خصائصها والظروف المسبقة لها، والأثر المتوقع كخطوة أولى ثم مقارنتها وقياسها على المعيارين المصممين، وهما: المعيار السياسي والمعيار القانوني لمبدأ المواطنة، بغرض الوصول إلى مدى التعارض أو التقارب بينهما، وبين الشروط المعيارية.

الأطار المفاهيمي للدراسة
يحاول هذا الفصل أن يعرض المفاهيم الرئيسية التي تقوم عليها الدراسة، مركزاً على مفهومي المواطنة والخطاب السياسي. ولن ندخل هنا في تعقيدات نظرية حول هذه المفاهيم، بل سنحاول أن نستعرضها بإعتبارها من المفاهيم الحديثة والمتداولة في الساحة العلمية، ورغم ما تثيره مفاهيم المواطنة والخطاب السياسي من إشكاليات نظرية تتصل من ناحية بعلاقتها بالمفاهيم الأخرى كما في حالة المواطنة، مثل: مفاهيم الدولة والديمقراطية وغيرها، أو من الناحية الأخرى بتصنيف أنماطه، كما في وضعية الخطاب مثل: الخطاب السياسي، والثقافي، والإعلامي، والاجتماعي. فإننا لن نخوض في هذه التفاصيل وعوضاً عن ذلك فسوف نقدم عرضاً للمفاهيم محاولين شرحها وتبسيط محتواها.
مفهوم المواطنة:
يشير تاريخ نشأة وتطور مفهوم المواطنة إلى استناده على العديد من المقومات السياسية والقانونية، وكان تطوره مواكباً لتطور معاني السلطة والقانون، وفق مبادئ العدل والمساواة والمشاركة، وكان ثمرة عملية تاريخية طويلة ساهم فيها كفاح الشعوب من ناحية، وأفكار الفلاسفة من ناحية أخرى.(1) ونجد أن أقرب معنى لمفهوم المواطنة المعاصرة في التاريخ هو ما توصلت إليه دولة المدينة عند الإغريق، والذي شكلت الممارسة الديمقراطية لأثينا نموذجاً له.(2)
ومع تكون الدولة القومية الحديثة وانتقال السلطات نسبياً للشعوب خصوصاً بعد الثورتين الفرنسية والأمريكية، وبروز عاملي المشاركة السياسية وحكم القانون انتقل مفهوم المواطنة القديم إلى شكل آخر معاصر يستند إلى فكر عصر النهضة والتنوير. ومن وقتها إلى عصرنا هذا شهد المفهوم تطوراً نوعياً وكمياً، وباعتباره حقاً غير منازع فيه، واتسع نطاق شموله لفئات المواطنين من الجنسين، كما تحسنت آليات ممارسته وزاد تأثيره علي أرض الواقع، هذا إضافة إلى تعدد أبعاده وشمولها لكثير من الجوانب الأخرى غير الحقوق السياسية والقانونية، وصار له كثير من التعاريف، فقد أشارت دائرة المعارف البريطانية إلى المواطنة بأنها "علاقة بين فرد ودولة يحددها قانون لكل الدولة، وبما تتضمنه تلك العلاقات من واجبات وحقوق في تلك الدولة"(3). وتؤكد الدائرة نفسها أن "المواطنة تدل ضمناً على مرتبة من الحرية مع ما يصاحبها من مسئولية، كما أنها على وجه يسبغ على المواطن حقوقاً سياسية، مثل حق الانتخاب وتولي المناصب العامة".(4)
وتذكر موسوعة الكتاب الدولية أن المواطنة Citizenship "هي عضوية كاملة من دولة أو بعض وحدات الحكم، ويكون للمواطنين بعض الحقوق مثل حق التصويت وحق تولي المناصب العامة، وكذلك عليهم بعض الواجبات، مثل واجب دفع الضرائب والدفاع عن بلادهم".(5) أما موسوعة كولير الامريكية فتعرف كلمة (Citizenship) بأنها يقصد بها "مصطلح المواطنة ومصطلح الجنسية دون تمييز وأنها أكثر أشكال العضوية اكتمالاً في أي جماعة سياسية."(6)
وإذا كانت الموسوعات مالت إلى شمول المفهوم في تعريفاتها الواردة، فقد اهتم عدد من علماء السياسة والاجتماع، بالمفهوم في تفاصيله فـ"دومينك شانير" يرى "أن المواطنة هي أن يكون المواطن هو من يمتلك حقوقاً سياسية ومدنية ويتمتع بحريات فردية (التعبير، التنقل، تكوين الأسرة..الخ)، ومن حقه افتراض براءته حتى تثبت إدانته، وأن يكون له محام يدافع عنه، وأن يتعامل في ساحة القضاء على قدم المساواة مع الآخرين. وأن يمارس حقوقه السياسية في ترشيح نفسه لأي موقع سياسي وأن ينتخب المرشحين، وعليه التزامات كإحترام القانون، ودفع الضرائب، والدفاع عن مجتمعه إذا ما تعرض للتهديد، بل إن المواطن جزء من السيادة السياسية، باعتباره وباقي المواطنين هم من يختارون حكومتهم بالانتخاب، بالتالي فهم مصدر السلطة، يضفون الشرعية على قرارات هذه الحكومة ويراقبون أدائها، بل إن المواطنة هي مصدر السلطات الاجتماعية، حيث أن المجتمع الديمقراطي تصبح العلاقات بين الناس سياسية وليست دينية. فالعيش المشترك لا يعني بالضرورة الدين المشترك، بل يعني الخضوع لنفس النظام السياسي، وهكذا أصبحت العلاقات بين الناس تقوم على أساس الكرامة المتساوية".(7)
ويرى وليم سليمان قلادة أن "المواطنة هي وعي الإنسان بأنه مواطن أصيل في بلاده، وليس مجرد مقيم يخضع لنظام معين دون مشاركة في صنع قراراته، ويتبلور هذا الوعي بتمتعه بصفة المواطنة، حين تكون وفقاً للدستور والقانون حقوق سياسية تضمن له المساهمة الايجابية في ممارسة السلطة العامة في بلاده، من خلال المشاركة في مؤسسات الحكم السياسية والقانونية والدستورية، وأيضاً يتدرب على هذه المشاركة من مساواة بين جميع المواطنين في الحقوق والواجبات، ويرى أن نجاح الجماعة في استخلاص حقوق الوطن والمواطن يؤدي إلى تحول الأرض إلى (وطن) والإنسان الذي يحيا عليها ويشارك في صياغة مصيرها إلى مواطن".(8)
كما قال بوردو (Borderu) عن المواطنة "أنها نظام الحكم الذي يهدف إلى إدخال الحرية في العلاقات السياسية، أي في علاقة الأمر والطاعة اللصيقة بكل مجتمع منظم سياسياً، وهي الصيغة الوحيدة التي تقترح كمرتكز للنظام السياسي كرامة الإنسان الحر، إذ أنها تطمح إلى التوفيق بين حرية الإنسان ومتطلبات فرض النظام، ليس عن طريق إلغاء السلطة، ولكن عن طريق ترتيبها بشكل يكون متوافقاً مع حريات الأفراد وحقوقهم".(9)
وتعتبر دراسات مارشال رائدة في معالجة مفهوم المواطنة في العصر الحديث، فلا تكاد تخلو دراسة حديثة حول المواطنة إلا وتستعيد مساهمته سواء بالتحليل أو النقد أو المراجعة. لقد عرَّف المواطنة باعتبارها "مجموعة من الحقوق التي تمارس بشكل مؤسسي" فالمواطنة لديه تتكون من ثلاثة عناصر هي:
1. العنصر المدني: ويتضمن الحرية الفردية، حرية التعبير، والاعتقاد والإيمان، وحق الامتلاك، وتحرير القيود، والحق في العدالة في مواجهة الآخرين الذين يظلمونه في إطار المساواة الكاملة. والمؤسسات المنوط بها تحقيق العنصر المدني في المواطنة هي المؤسسات القضائية.
2. العنصر السياسي: ويعني الحق في المشاركة من خلال القوى السياسية الموجودة في المجتمع باعتبار المواطن عضواً فاعلاً في السلطة السياسية، أو كناخب لهذه القوى السياسية ويمارس العنصر السياسي من خلال البرلمان أو المجالس المحلية.
3. العنصر الاجتماعي: ويعني تمتع المواطن بالرفاهية الاقتصادية والأمان الاجتماعي، والتمتع بحياة جديرة بإنسان متحضر وفقاً للمعايير في المجتمع القائم. ويتم العنصر الاجتماعي من خلال نظام التعليم، ونظام الرعاية الصحية، والخدمات الاجتماعية.
ويرى مارشال أنه "رغم أن المواطنة قد تقلص التفاوت الاجتماعي إلا أنها تخلق أشكالاً جديدة من حيث عدم المساواة بسبب التفاوت في القدرات. وهو أمر مشروع وضروري لخلق حافز للعلم، وعليه فإن المواطنة إذا كانت تتيح فرصاً تعليمية متساوية للجميع، إلا أنها تخلق أوضاعاً غير متساوية نتيجة تفاوت القدرات، وعليه تكون المواطنة وسيلة للتدرج الطبقي".(10)
نجد أنه مع الفروقات الموجودة في أغلب التعاريف الواردة، إلا أن الجميع اتفقوا على أن المواطنة هي حق مكتسب بنصوص الدستور، يرتكز بشكل كبير على المساواة الكاملة في الحقوق والواجبات، دونما تمييز بسبب العرق أو الدين، وتحدد بالانتساب إلى حدود الدولة الوطنية المعروفة، كما أنه يعتبر نشاطاً سياسياً من نوع ما، وهي أيضاً مشاركة فردية فاعلة في المجال الفسيح للشؤون العامة، والانضمام إلى جميع المؤسسات التي يعبر الأفراد من خلالها عن مصالحهم وقيمهم خارج مجال عمل الحكومة، وبشكل مميز عنها، وتشمل الأنشطة الاقتصادية من حق التملك والتوظيف، وكسب العيش، وبناء الأسرة، وممارسة الشعائر الدينية والطقوس، والعادات الاجتماعية الأخرى. وتكفل حقوقاً أخرى كالترشيح والتصويت، والاطلاع بشفافية على جميع القضايا السياسية، وتعطي المواطنة من خلال هذه التفاعلات، المؤسسات المدنية شكلاً ومضموناً مختلفاً للقيم مثل: النزاهة، المواظبة، ضبط النفس، المسئولية الشخصية، وخدمة الآخرين.
وقد واجه مفهوم المواطنة شموله هذا الكثير من العقبات، في حالة الدول المتعددة الأعراق أو الأديان، وبالذات الدول الناشئة والخارجة من قيود الاستعمار حديثاً، كما في حالة الدول العربية التي لم تستطع الدفاع عن مفهوم الدولة القطرية، مع إصرارها على تكريس مفهوم المواطنة وتنميته ديمقراطياً.
تشكل فريق آخر من المفكرين يحصرون مفهوم المواطنة في حيزه الضيق إما عرقياً أو دينياً، فنجد مثلاً أن خالد الحروب يقول "بالإجمالي لم يحظ مبدأ المواطنة بمعناه الحديث القانوني والديمقراطي بتأصيل عميق في الفكر القومي العربي التقليدي، وقد عرّف القوميون العرب في أدبياتهم المواطنة بأنها قائمة على ثلاثة عناصر مهمة وهي الدم واللغة والتاريخ، وأن الأساس هو الرابطة القومية التي تهدف إلى ترفيع الوجود الإنساني وإفساح المجال أمام كامل طاقاته، كي تحظى وتزدهر وتنتشر قيم العطاء للأمة والإنسانية. وقد ركز القوميون في تعريفاتهم للعدالة على ما يسمى (بالنحنية) "من نحن" كما جاء في كتابات الحصرى، ومقصود بها الجماعية القائمة على البحث عن الهوية المشتركة والتي تلقي فكرة الفردية التي هي مضمون مبدأ المواطنة.(11)
هنالك أيضاً فريق من الإسلاميين الذين يطرحون أفكارهم حول المواطنة في إطارها الديني فـ"الغنوشي" يذهب إلى أن المواطنة في الحياة السياسية الإسلامية تعتمد على معيارين: الانتساب الديني والإقامة، المسلمون غير المقيمين في الدولة الإسلامية أو غير المسلمين المقيمين فيها لا يحق لهم أن يكونوا مواطنين بالكامل، وقد يصبحون مواطنين في حالة قبولهم بشرعية الدولة الإسلامية، ولكنهم لا يصبحون مواطنين بالكامل ولا يحق لهم تسلم مناصب رئيسية في الدولة.(12)
ويكرر الغنوشي الموقف التقليدي للمودودي والذي يذهب إلى حرمان غير المسلمين من أن يكونوا أعضاء متساوين في المجتمع، ولا يحق لهم تولي المناصب العليا كرئاسة الدولة أو قيادة الجيش.(13)
ويوافقهم في الرأي حسن البنا إذ يقول: إن الإيمان العميق بأن النظام الإسلامي هو النظام الديني الإلهي الذي يجب على كل مسلم أن يمارس الحياة على أساسه، وليس مسلماً من يعرض عن هذا النظام ويستبدله بغيره مما هو من صنع البشر، وأن سلطة الحاكم سلطة دينية مستمدة من نظام الخلافة، لذلك لابد من تقييد مشاركة غير المسلمين في إدارة الشؤون العامة. ويؤكد حسن البنا موقفه هذا أكثر بقوله "فالأمة الإسلامية واحدة ونظام الحياة الاجتماعية التي يضمها نظام واحد هو الإسلام".(14) ويرى سيد قطب أن الأمة هي الجماعة وهي جماعة المسلمين وأن العدالة بين الناس، تفرض إقامة حدود المساواة من الناحية الاقتصادية لمنع التفاوت بين الناس وتوفير الفرص المتكافئة، دونما النظر إلى تفاوت بناء اللون والجنس.(15)
ويلاحظ أركون أن الأمة عند الإسلاميين تعود بأصولها السيوسيولوجية إلى منطقة الجزيرة العربية، وأصولها التاريخية تدل على المدينة الإسلامية التي أضحت إمبراطورية في ما بعد. وأصولها اللاهوتية تعود إلى الخطاب القرآني وتوسعه في ما بعد من خلال الخطاب الفقهي أو القانوني اللاهوتي".(16) وأشار المودودى أيضاً إلى "أن الدولة الإسلامية مجموعة سياسية تم إقراراها عقائدياً وتمتلك نظرة لا تعترف بكل أسس وقواعد المواطنة الحديثة، وإن عقلية الأفراد الذين ينشئون في ظل قيم ومفاهيم الدولة القومية تجعلهم غير ملائمين للعمل في الدولة الإسلامية الحقة ولأجلها، والدولة الإسلامية تنشأ على مجتمع إسلامي بالطريقة المثلى التي أنشأ بها الرسول الكريم مجموعته، وأن حقوق غير المسلمين في هذه الدولة محفوظة إذ بإستطاعتهم العيش كأقليات تحميها الدولة ولا يحق لها تبوء المراتب المركزية فيها وبالأخص المناصب القيادية وعضوية مجلس الشورى الذي ينتخب رئيس الدولة.(17) وطور العوا في كتابته أطروحة تعتمد على ما أسماه شريعة الفتح وشرعية التحرير ويقول في ذلك الاتجاه إن "الدولة الإسلامية الحديثة جاءت إلى الوجود نتيجة لصراع التحرير الذي ساهم فيه المسلمون لذا استحقوا حقوقهم كاملة كمواطنين في ظل دولة التحرير التي أنشئوها، ويمكن لغير المسلمين الذين ساهموا في التحرير أن يحصلوا على حقوق أيضاً.(18)
ويؤكد برناد لويس على هذا الاتفاق العام لدى المفكرين المسلمين بقوله "إن مفهوم المواطنة غريب تماماً على الإسلام، وأنه لا توجد كلمة "Citizen" (مواطن) في اللغات العربية والفارسية والتركية، وإنما يوجد مصطلح مقابل لها يستخدم في كل منها بمعنى ابن البلد، وهي كلمة تخلو بدرجة كبيرة من أية مضامين أو إيحاءات لكلمة "Citizen" (مواطن) الإنجليزية التي تنحدر من أصول لاتينية وإغريقية بمعنى الفرد الذي يشارك في الشؤون المدنية. وإن سبب غياب كلمة مواطن في اللغة العربية واللغات الأخرى يرجع إلى غياب فكرة المواطن كمشارك وفكرة المواطنة كعملية مشاركة.(19)
بعد هذه التوضيحات للآراء المختلفة أو المتفقة حول تفسير مفهوم المواطنة، يمكن أن نقول بشكل عمومي أن المواطنة في آراء الفريقين، هي مفهوم اقترن هو وما يدل عليه من مصطلحات عبر التاريخ، بإقرار المساواة للبعض أو الكثير من المواطنين، وأنه ارتبط دائماً بممارسة أحد أبعاد المشاركة أو ممارسة كل أبعادها بشكل جزئي أو كلي، وهو ما تختلف أو تتفق عليه الآراء في تحديد جزء ونطاق المساواة والمشاركة.
الخطاب الســيـاسي:
يمكن تعريف الخطاب بأنه مجمل ما يصلنا من أفكار أو تصورات بكل أشكال التعبير اللغوي مسموعاً أو مكتوباً وبكل وسائل التوصيل التقليدية أو المستحدثة، سواء كنا نتلقاها جماعة أو فرادى. وهو بذلك ليس كما يتخيل البعض من اقتصار معنى الخطاب على مجرد الخطابة التي نتلقاها في صورة خطبة أو موعظة أو درس أو ما شابه ذلك.(20) وتطلق كلمة الخطاب لغةً على الكلام كما جاءت في التنزيل الفريد قوله تعالى ﴿وَعَزَّنِي فِي الْخِطَاب﴾ (سورة ص، الآية 32). كما تطلق أيضاً على الرسالة وهو مجموعة المنتجات الفكرية التي يراد إيصالها إلى متلقٍ عبر نصوص مكتوبة أو مسموعة أو مرئية التي تقدم شاملة أو جزئية لقضية أو مشكلة قائمة أو مفترضة.(21) كما أن أي خطاب هو انتقائي بطبيعته لأنه يعكس وجهة نظر صاحبه. بل أن هذه الانتقائية التي تميز الخطاب عموماً هي ذات طبيعة مزدوجة أو أنها عملية مزدوجة بين اثنين هما: المرسل والمستقبل أو الكاتب والقارئ، فالخطاب يتعرض للانتقالية مرتين: مرة على يد مرسله، وأخرى على يد متلقيه أو مستقبله. فالرسالة الاتصالية عبر أي خطاب لا تكتمل إلا من خلال المضمون الذي حملته الرسالة، والذي فهمه وأدركه المتلقي.(22) وعلى ضوء ما ذكرنا مسبقاً فإننا نستطيع أن نستخدم مفهوم الخطاب لمعنيين:-
أ‌. المعنى الواسع: أي كل ماكتبه أو قاله أو علق عليه شخص ما، سواء كان ذلك مقابلات أو مؤتمرات أو كتابات سياسية أو فكرية أو وثائق.
ب‌. المعنى الضيق: وهو مصوغ النطق أو البيان الذي يتجاوز الجملة منظوراً إليه من زاوية قواعد تسلسل الجمل وترتيبها.(23)
واستنتج من هذين المعنيين السابقين أن الخطاب هو مجموعة متماسكة من المقترحات النظرية المجردة تتضمن منطقاً ونظاماً خاصاً، وتتضمن مقترحات مجردة بإعتبار أنه يتشكل من مفاهيم أولية عقلية ينتجها الإنسان بهدف التعرف على الظواهر المحيطة به، وتتنوع هذه الخطابات بتنوع الظواهر الاجتماعية فهناك الخطاب الديني والفلسفي والاقتصادي والسياسي والقانوني والأيدلوجي والأدبي والأخلاقي، وجميعها تتداخل وتتشابك وقد تتناقض. وعليه نجد أن مصطلح الخطاب لا ينفصل عن السياق التاريخي الذي ظهر فيه، كما أنه لا ينفصل عن سياقه الاجتماعي "فهو مفهوم يجمع اللغة وممارستها". أو بعبارة أخرى يجمع بين النص أو الجملة أو الكلمة وبين السياق أو الواقع بكل تفاعلاته الاجتماعية والاقتصادية والتاريخية والسياسية والثقافية.(24) والخطاب مفهوم تتسع آفاقه لتشمل ثقافة الجماعة أو الفئة أو الأمة أو حتى البشرية جميعها من جهة، فنقول خطاب الجماعة أو الفئة أو الحزب كذا، ونقول أيضاً الخطاب العربي والخطاب الأوربي، ومن جهة أخرى ينسحب الخطاب على المجالات المعرفية المختلفة فمن خلال العلاقة بين المفردات والمفاهيم الواردة في الخطاب يمكن تحديد نوعه، ومن هنا كان لدينا الخطاب السياسي الذي نعرفه كما أورده محمد عابد الجابري "بأنه بناء من الأفكار يحمل وجهة نظر سياسية عملية أو نظرية، ويعكس مدى قدرة صاحبه على احترام قواعد البناء للنصوص التي تمكنه من تقديم آرائه إلى القارئ بالصورة التي تؤدي مهمة الإخبار والإقناع.(25)
إذن الخطاب السياسي هو ذلك النسيج اللغوي المنطوق أو المكتوب المترابط المنسجم المشحون بالسياسة فكراً وسلوكاً (تفاعلات وممارسات) فاعلين ومتفاعلين في سياق مخصوص (اجتماعي، لغوي، زماني، مكاني). كما أن الخطاب السياسي يمتلك جانباً عملياً، فالجانب الدلالي هو الذي يلعب الدور المميز في تحويله اتجاهات الوعي لدى المتلقين أو المقصودين بالخطاب، والجانب الآخر العملي هو الذي تطغى عليه جانب الإعلانات الرسمية عن المواقف الراهنة أو المستقبلية، لذلك يمكننا أن نعرف الخطاب السياسي تعريفاً شاملاً بأنه "عبارة عن منظومة فكرية تحوي كثيراً من المفاهيم والمقولات النظرية السياسية التي تعين الفرد في فهم أحد جوانب الواقع السياسي القائم".(26) وفي قول آخر إنه المعرفة المنظمة بأحد جوانب الواقع السياسي" التي تسعى إلى تقديم مجموعة من التصورات السياسية والدلالات النظرية حول إحدى قضايا الواقع السياسي أو إشكالياته المتباينة".(27) وقد استخدم كثير من الباحثين مفهوم الخطاب السياسي باعتبار أنه يشير إلى الأقوال أو النصوص المكتوبة التي تصدر عن المؤسسات السياسية أو رجال السياسة أو التي تصدر عن موقف أيدلوجي ذي صبغة سياسية ويعبر عن وجهة نظر محددة إزاء قضايا سياسية أو اجتماعية أو اقتصادية أو ثقافية.(28) وقد حدد هذا الاستخدام إجرائياً بتعريف أكثر انضباطاً بأن الخطاب السياسي مجموعة من النصوص المكتوبة أو المسموعة التي تصدر عن مؤسسات سياسية أو عن أفراد يمثلون هذه المؤسسات، أو يتخذون موقفاً ذا صبغة سياسية، وتظهر هذه النصوص في شكل كتب أو خطب أو مقالات صحفية أو نشرات أو تصريحات".(29)
وينبه شيلغر إلى قضية بالغة الخطورة في شرح مفهوم الخطاب السياسي وهي: أن الخطاب السياسي يأتي دائماً مشحوناً بالخلفيات الأيدلوجية أو القيم التقليدية أو النزاعات الثقافية.(30) كما أن روشيه في نفس الاتجاه وجد أن الخطاب السياسي في غالبه الأعم يأتي مرتبطاً بالسلطة إما بشكل مباشر أو يأتي محاطاً بقدسية ما، سواء كانت للعلماء أو أهل الرأي أو لرجال الدين ومؤسسات المجتمع المختلفة.(31)
وقد أكد سوسير مؤسس علم اللسانيات أن خطاب السياسة دائماً يكون خطاباً جبرياً يقتضي تنفيذ دلالته وليس خطاباً حوارياً ويعتمد على صيغة الأمر بدلاً عن الصيغ التي تدعو إلى الحوار، ومع تعدد أنماطه واتجاهاته ظل محافظاً على تركيبته الجبرية وقد قسم سوسير أنماط الخطاب إلى ثلاث أنواع:
‌أ. خطاب الأيدلوجيات: وهو خطاب ليس للدعاية السياسية إنما هو خطاب الشرعية على السلطة أو ممارسة الأفراد أو المجموعات.
‌ب. خطاب تداولي: وهو الخطاب الذي يجري في مجالات الحياة السياسية في البرلمان والحملات الانتخابية والحشود الجماهيرية.
‌ج. خطاب احتفالي: وهو خطاب المهرجانات والاحتفالات الرسمية واستقبال الرؤساء ومخاطبة المحافل الدولية والإقليمية والإشهارات والدعاية للأشخاص والمؤسسات.(32)
وفي مسألة الاختلافات النمطية نجد أن بنفيست وهو من أوائل من كتبوا عن مفهوم الخطاب لاحظ الاختلافات الخطابية المتنوعة بين ماركس ولينين وغورباتشوف، أو الأنظمة الديمقراطية (أعنى الديمقراطية التعددية) وخطاباتها من بلد لآخر رغم وحدة المرجعية المذهبية والفكرية.(33) وقد افترض بنفيست أن هذه الاختلافات ترجع إلى نية المتكلم أو الكاتب في التأثير على المستمع أو القارئ مع الأخذ بعين الاعتبار مجمل الظروف والملابسات التي تم فيها الخطاب.(34) كما أن هذه الفروق تبدو ملحوظة في طرائق الإقناع التي تتبعها كل جهة وأيضاً مختلفة لدى النظام السياسي الواحد باختلاف المراحل التاريخية والظروف الاجتماعية والأمنية. بمعنى أن أي دراسة من هذا النمط كفيلة بأن تكشف عن ظهور بعض المفاهيم والمصطلحات على الخطاب السياسي لمجتمع ما، وغياب أخرى مع كل مرحلة من مراحل التطور السياسي ويمكن ملاحظة الاختلافات داخل المجتمع الواحد من كل فئة أو بيئة اجتماعية أو جماعة سياسية للأفراد، لكن بشكل رئيسي تعتمد دراسة الخطاب السياسي رغم كل هذا التنميط داخل الخطاب إلى قسمين رئيسيين وهما:
1. الخطاب السياسي الرسمي: وهو ما يصدر عن رئيس الدولة ومنسوبيها من مسئولين في الشؤون السياسية أو المراسيم والقرائن أو المخاطبات الرئيسية.
2. الخطاب السياسي غير الرسمي: ونعني به خطاب الأحزاب وغيرها من المؤسسات دون الدولة والأفراد المتصلين بالعمل السياسي.(35)
وعليه نخلص إلى أن مفهوم الخطاب السياسي الذي تتبناه الدراسة هو مجموعة النصوص المكتوبة أو المسموعة التي تصدر عن مؤسسات سياسية أو أفراد يمثلون هذه المؤسسات، أو يتخذون موقفاً ذا صبغة سياسية وتظهر هذه النصوص في شكل كتب أو خطب أو مقالات صحفية أو نشرات تعبر إما عن موقف أيدلوجي واضح أو رأى في إحدى القضايا في مجالات الحياة السياسية مع الأخذ في الاعتبار المراحل التاريخية للتطور السياسي ومجمل الظروف والملابسات الحادثة في الزمان والمكان.

الهوامش:
1. رضا عطية إبراهيم: المواطنة والانتماء وأثرهما على الدولة والمجتمع والأسرة، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 2007م، ص 15.
2. علي خليفة الكواري: المواطنة والديمقراطية في البلدان العربية، الطبعة الثانية، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت 2004م، ص 16.
3. المرجع السابق، ص 30 – 31.
4. المرجع السابق، ص 32.
5. المرجع السابق، ص33.
6. رضا عطية إبراهيم: المواطنة والانتماء وأثرهما على الدولة والمجتمع والأسرة، مرجع سابق، ص 15.
7. المرجع السابق، ص 16.
8. أحمد سعد يوسف: مفهوم المواطنة في النصوص التعليمية، دراسة تحليلية غير منشورة، جامعة عين شمس كلية الآداب، 2006م، ص 23.
9. ثناء فؤاد عبد الله: آليات التغيير الديمقراطي في الوطن العربي، الطبعة الثانية، مركز دراسات الوحدة العربية ، بيروت 2004م، ص 264 – 265.
10. منى مكرم عبيد: المواطنة، سلسلة مفاهيم الأسس العلمية للمعرفة، المركز الدولي للدراسات الإستراتيجية والمستقبلية، مارس 2006م، ص 27 – 28.
11. خالد الحروب: مبدأ المواطنة في الفكر القومي العربي، الطبعة الثانية، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت،2005، ص 95.
12. راشد الغنوشي: حركة الاتجاه الإسلامي في تونس، دار القلم للنشر، الكويت، 1989م، ص 15.
13. المرجع السابق، ص 16.
14. حسين أشرف: مع الأخوان حوار له ضفاف، الطبعة الأولى، مؤسسة دار الهلال، القاهرة، 2008م، ص 171.
15. رفعت السعيد: جماعة الأخوان المسلمين الإرهاب المتأسلم..لماذا؟ ومتى وإلى أين؟ الجزء الأول، مؤسسة أخبار اليوم قطاع الثقافة، القاهرة، 2004م، ص 305.
16. عبد الباقي الهرماسي: علم الاجتماع الديني والمجتمع في الوطن العربي، الطبعة الثانية، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 2000م، ص 361.
17. علي خليفة الكواري: المواطنة والديمقراطية في البلدان العربية، مرجع سابق ص 60.
18. حسين سعد: الأصولية الإسلامية العربية المعاصرة بين النص الثابت والواقع المتغير، الطبعة الثانية، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 2006م، ص 91.
19. ثناء فؤاد عبد الله: آليات التغيير في الوطن العربي، مرجع سابق، ص 371.
20. أحمد زايد: صور من الخطاب الديني المعاصر، الكتاب الأول، خطاب المؤسسة والنخبة، الطبعة الأولى، دار العربي، القاهرة، 2007م ص 21.
21. محمد المؤمن: في مفهومي القراءة والتأويل، عالم الفكر، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الطبعة الثانية، الكويت، 2004م، ص 33.
22. محمد صفار: "تحليل الخطاب وإشكالية نقل المفاهيم – رؤية متقدمة"، مجلة النهضة، كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، جامعة القاهرة المجلد (6) العدد (4)، أكتوبر 2005م، ص 100.
23. محمد عبد السلام: التحليل السيوسيولجي للخطاب الديني اليومي عند بعض الشرائح الاجتماعية في الريف والحضر، رسالة دكتوراه غير منشورة، كلية الآداب قسم الاجتماع، جامعة القاهرة، 2006م، ص 10.
24. بيار أشار: سوسيولوجيا اللغة، ترجمة عبد الوهاب تور، الطبعة الثالثة، منشورات عويدات، بيروت، 2001م، ص 128 – 129.
25. محمد عابد الجابري: فكر ابن خلدون، الطبعة السابعة، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، يناير 2001م، ص 68.
26. المرجع السابق ، ص 69.
27. رشيد شقير: "الأيدلوجية السياسية"، مجلة الوحدة، المجلس الأعلى للثقافة والآداب، الرباط، المغرب، العدد (100) يناير 1993م، ص 135.
28. كمال أوديب: "الحداثة – السلطة – النص"، مجلة فصول، الهيئة المصرية للكتاب، العدد (3)، أبريل 1984م، ص 37.
29. يورد يوبير: الرمز والسلطة، ترجمة عبد السلام عبد العال، الطبعة السابعة، تريفال للنشر، المغرب، 2004م، ص 55.
30. غولد شيفر: مدخل لدراسة النص والسلطة، ترجمة عمر أوكان، الطبعة الثانية، أفريقيا للنشر، الدار البيضاء، 1994م، ص 16.
31. Birch, David, Language, Literature and Critical Practice, New York, Rutledge first edition, 1989, p. 16.
32. N.D. Swesar, Essays on Linguistics, progress, London, 1980, p. 236.
33. H. Penifect, language and Discourse Paces, Hachette, 1983, p. 102.
34. Ibid, p.103.
35. Charaud, Patrik, The Theory to Discourse, Valia. Op., London 1992, p. 89 – 90.
خارطة الحركات الإسلامية في السودان
يتناول هذا الفصل خارطة الحركات الإسلامية في السودان. والمقصود بالحركة الإسلامية كل تنظيم إسلامي، بهيكل مرتب وخطة إستراتيجية شاملة لقضايا الأمة، وعلى الأخص الفكرية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية، و الأثر الفعال والقدرة على العمل المستمر. وسنجد أن هذا التعريف، المعتمد في الدراسة، يناسب إلى أبعد الحدود العديد من الحركات والتنظيمات والأحزاب السياسية السودانية ذات التوجهات الإسلامية، فعلى سبيل المثال لا الحصر، ينطبق التعريف بصورة دقيقة على حركة الأخوان المسلمين و التيارات السلفية . ولا ينطبق على بعض الحركات بصورة دقيقة حيث أنها لا تلبي كل شروط التعريف المتبع في هذة الدراسة مثل الجماعات الجهادية التي تنطلق من منطلقات إسلامية جهادية دون أن تكون لها تصورات متكاملة وشاملة لقضايا الأمة، وفي نفس الوقت عرف عنها الاستعمال المفرط للعنف خاصة العنف الموجه ضد المدنيين والمخالفين لها فى الرأي.
تعتبر نشأة الحركات الإسلامية في السودان نشأة موضوعية ومنطقية، كما أنها ليست ظاهرة شاذة حدثت خارج السياق التاريخي للمجتمع. ومن الضروري دراستها على ضوء ما هو متوفر من نظريات العلوم الإجتماعية والإنسانية التي تفيد في معرفة الطبيعة الحقيقية للجماهير الغفيرة التي تهرع إلى الانضمام إلى الحركات الإسلامية وتنخرط فيها كعضوية قادرة على تنفيذ المهام الحركية والحزبية. بالرغم من أن الحركات الإسلامية في الإقليم قد نجحت في وضع أهداف معقولة، تشوبها بعض المبالغات أحياناً، إلا أن معظمها فشلت في وضع وسائل مناسبة لتنفيذ تلك الأهداف على أرض الواقع، الأمر الذي أوقعها لقمة سائغة في يد الدولة الحاكمة التي عملت على تحجيمها وتدميرها. وتكمن المشكلة الأساسية لهذا النوع من الحركات في قصور فهمها لطبيعة الدولة القطرية.
نشاة الحركات الاسلامية المعاصرة
شهد القرن الثامن عشر الميلادي ميلاد مشروع النهضة الإسلامية الذي يدعو إلى فك الجمود وتحرير الأمة الإسلامية، والعربية على وجه الخصوص، من التخلف والتبعية وضعف الأحوال الداخلية جراء الاستبداد السياسي والجهل بالدين والعلم على المستوى المعرفي. ولقد استمرت صياغة المشروع لأغراض رفع الوعي والتحديث حتى القرن التاسع عشر لتستبين وتتوضَّح معالمه الأساسية عبر الدعوة إلى التحرر وفك القيود من الحصار الداخلي والأجنبي أي التخلف والاستعمار (1).
نشأت الحركة الإسلامية الحديثة أو المعاصرة من شعار بسيط يتمثل في (الإسلام هو الحل) أي الحل لمشكلات الدولة والمجتمع الإسلامي المعاصرين، ومن هنا انطلق التنادي إلى إنشاء جماعة ذات نظم داخلية حديثة وكفؤة، ورؤى مواكبة للعصر ومحيطة بقضاياه، وفقه مجدد يتصدى به المسلمون عند لقائها بالعالم الإسلامي خلال الحقبة الاستعمارية.
لكن الافتراض الذي قام عليه ذلك الشعار المبسط سرعان ما اشتجرت أمامه الطرق، وتعقدت المصاعب، ما أن أعملت التجربة الإسلامية النظر المدقق في تحديات عصرها، وما أن أوغلت في اجتياز عقبات الواقع التي واجهتها. ومن هذه الجدلية – جدلية النظر والممارسة – وهما يتفاعلان ويتركبان ويتفرعان، تشكلت الحركة الإسلامية المعاصرة وتناسلت منها مدارس ومذاهب شتى. ومهما بدأ للناظر أن تلك المدارس هي جماعات متباينة، أو أحياناً متحاربة، فإن غالبها قد بقيت فيه بضعة ملامح أساسية تنتسب بها للحركة الإسلامية الحديثة.
ومن أهم السمات المركزية التي تفردت بها الحركات الإسلامية المعاصرة تبنيها لمفهوم شمول الإسلام: هذه الدعوة الملحة إلى إخضاع الحياة كلها، الخاصة والعامة لمقتضيات التدين. من هذه السمة بعينها، أكثر من أي سمة أخرى، أخذت تتجلى المفارقة بين الحركة الإسلامية وتنظيمات المسلمين التقليدية كالطرق الصوفية.
السمة المركزية الثانية هي التجديد، انطلاقاً من التسليم بضرورة التجديد وحتميته، كما ورد في الأحاديث النبوية، وإدراكاً في الوقت ذاته التحديات المعاصرة تستلزم ذلك التجديد وتوجبه.
أما السمة الثالثة التي ميزت الحركة الإسلامية المعاصرة وهي ليست مأخوذة بالضرورة من التراث الفقهي، فهي حداثة الأطر التنظيمية وفاعليتها(2).
السؤال كيف ينبغي أن تواجه الحركات الإسلامية (سواء كانت تحت مسمى حزب أو منظمة أو مؤتمر أو حركة أو جماعة ... الخ) سائر التيارات الفكرية والسياسية الموجودة على أرض الواقع، باختلاف مشاربها، فقد تكون في بعض المجتمعات الإسلامية التيارات الدينية المسيحية، والتيارات غير الدينية والتي تنقسم بدورها إلى تيارات قد تقترب من الإسلام في بعض ملامحها وخطوطها وتختلف عنه في الكثير من ركائزها وأفكارها كما في الأحزاب القومية العربية المتنوعة، والتيارات اللادينية الملحدة في تفكيرها الفلسفي والتي تبتعد من الإسلام من حيث الركائز الفكرية، وقد تلتقي مع حركاته في بعض المواقع السياسية، كما في الأحزاب الماركسية المتنوعة، وهنالك تيارات سياسية محلية أو إقليمية لا تنطلق من حالة فكرية في العمق، بل تنطلق من واقع محلي أو إقليمي في مستوى القضايا المحلية والإقليمية وربما تأخذ بعداً طائفياً أو فئوياً أو شخصياً.
ولو انفتحت الحركة الإسلامية على سائر التيارات، وأقيمت العلاقات فيما بينها، وقبلت بالتعددية في الساحة الحركية، فهل ستكون حركة مصلحية آنية أم مبنية على قناعات حقيقية؟ بمعنى هل أن خيار الانفتاح خيار استراتيجي قائم على قناعات فكرية؟ أم حركة تكتيكية آنية مصلحية تهدف للاستفادة من معطيات الواقع وستتخلى عنها بمجرد تحقيق الأهداف المرسومة؟
تباين آراء الإسلاميين:
إن من الخطأ إصدار حكم واحد على كل الحركات والتيارات الإسلامية، فاشتراك في العنوان العام لا يعني الاشتراك في كل المبادئ والأسس وتفسير النصوص الدينية وطرق التعامل مع الواقع والأهداف المرسومة.
ولذا قد يجد بعض الإسلاميين أن الموقف الإسلامي يفرض على العاملين المقاطعة التامة لهذه التيارات "الكافرة" أو "الضالة" لأن أي شكل من أشكال العلاقة يمثل لوناً من ألوان الموادة والموالاة اللتين أكد القرآن الكريم على المؤمنين الابتعاد عن تقديمها للكافرين وللخائنين والمنحرفين فيما جاءت به الآيات الكريمة كما في قوله تعالى: ﴿لاَّ يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاء مِن دُوْنِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللّهِ فِي شَيْءٍ إِلاَّ أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللّهِ الْمَصِيرُ﴾ آل عمران الآية 28، وقوله عز وجل: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءهُمْ أَوْ أَبْنَاءهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِّنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُوْلَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ المجادلة الآية 22.
ومن جهة أخرى فإن العلاقة السياسية مع هذه التيارات تمثل اعترافاً بشرعيتها كفريق سياسي في الساحة الإسلامية، في ما يوحيه بأن له الحق في المشاركة في تخطيط مستقبل البلد وإدارة شؤونه، وهذا أمر غير جائز شرعاً.
كما أنها تفسح المجال للنفاذ إلى داخل التيار الإسلامي في عملية اختراق أمني أو سياسي مما يعرض حركته للخطر، وأسراره للظهور ومواقعه للاهتزاز، ويؤكد ذلك قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّواْ مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاء مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ * هَاأَنتُمْ أُوْلاء تُحِبُّونَهُمْ وَلاَ يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُواْ آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْاْ عَضُّواْ عَلَيْكُمُ الأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُواْ بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ آل عمران الآيات 118-120.
وقد تؤدي إلى إضلال المجتمع المسلم من خلال سقوط الحواجز النفسية التي كانت تحد من الانفتاح عليها، على إثر الأجواء الحميمة التي ستنشأ. وهؤلاء يمكن أن نطلق عليهم الحركات السلفية المحافظة في الحركة الإسلامية.
أما الرأي الآخر:
وفي مشهد آخر نلحظ رأياً مغايراً تماماً، يتبناه بعض المفكرين الإسلاميين إذ يعتبرون أن الموقف الإسلامي يفرض إقامة هذه العلاقات في إطار مجتمع متعدد الاتجاهات، الأمر الذي يؤهلهم للإطلاع على حركة الواقع السياسي من الداخل لا من الخارج، ويحقق ثقافة عميقة شاملة للعملية السياسية، ويمكن الحركة الإسلامية من النفاذ إلى عمق التيارات الأخرى مما يسمح بالتأثير أحياناً على قراراتها أو التخفيف من سلبياتها أو تفهم بعض وجهات النظر التي تتبناها الحركة، هذا علاوة على إيجاد الأرضية الكفيلة بتوجيه الأنظار إلى الأهداف الإسلامية الكبيرة من خلال حركة الشعارات المشتركة في الساحة التي تجعل من الإسلام عنصراً حياً فاعلاً يتقدم المسيرة بشعاراته.
ومن جهة أخرى فإن التعامل مع النصوص الإسلامية بتلك السطحية يؤدي إلى تفريغها من محتواها الفكري والعملي العميق والمرتبط بتغيرات الواقع الذي يعيشه الفرد أو المجتمع. فـ"المودة" على سبيل المثال تعني العاطفية القلبية الحميمة العميقة المتمثلة بالإخلاص الروحي النابع من اللقاء الداخلي في الفكر والروح والعاطفة، كما أن "الموالاة" تمثل حالة الصلة الواقعية في خط الطاعة والإتباع والاندماج بالآخر، على مستوى الانتماء والإخلاص، بينما العلاقات السياسية مع التيارات الأخرى لا تهدف إلى ذلك كله، بل تسعى للارتباط في علاقة عملية تبحث عن نقاط الالتقاء والأرض المشتركة.
ولا يخفى على المنظرين والمفكرين والعاملين في الساحة السياسية أن الفرق قائم بين الاعتراف بالوجود والاعتراف بالشرعية، فالتنسيق والعمل المشترك في المشاريع العامة لا يعني إضفاء الشرعية، لأنها إنما هي تتحقق في ما لو قبلنا بالمضمون الفكري لسائر التيارات وما يترتب على ذلك من أهداف ترسمها كل حركة لنفسها، وكل ما تعنيه هو الاعتراف بالوجود، ولذا لا يقول أحد بأن المعاهدة التي عقدها النبي صلى الله عليه وسلم مع اليهود تمثل اعترافاً بشرعيتهم، كما أن صلح الحديبية لا يمثل عنواناً للاعتراف بشرعية الشرك والمشركين.
أما مسألة الخوف من الاختراق الداخلي والتأثير على الساحة الإسلامية فهو كلام يصح في ما لو لم تعش الحركة الإسلامية حالة من التأسيس الفكري لكوادرها، ولم تمتلك المنطق الكفيل بطرح المتباينات بصورة عقلانية مقبولة لدى المجتمع، ولم تخطط للانفتاح بصورة مدروسة. والآيات الشريفة التي تتحدث عن البطانة فإنما تتحدث عن حالة لصيقة كبطانة الثوب التي تلتصق به وتقويه وتحميه، وهو ما يشير إلى مشاعر الحب العميقة التي قد يحملها المسلمين للأعداء الحقيقيين "المنافقين".
ويخلص هؤلاء المفكرون إلى نتيجة حاسمة مفادها أن الانغلاق يعني العزلة، والعزلة تعني الابتعاد عن حركة الأحداث بشكل مباشر، مما يعرقل الوصول إلى النتائج العملية على صعيد الهدف، وأن المشاركة في النشاط السياسي والتفاعل مع التيارات المختلفة هو الذي يمكن أن يحقق الكثير من المواقع المتقدمة في الساحة(3).

Next Page