مقدمة
قامت حكومة المشير نميري في السودان في يوم 18 يناير عام 1985 بإعدام الأستاذ محمود محمد طه، المفكر الديني المعروف في السودان بأفكاره التجديدية، وقامت أيضا بمصادرة منزله المتواضع، وأمرت بإحراق كتبه، وحظرت منظمته ـ الإخوان الجمهوريون ـ ووضعت مئات من الجمهوريين والجمهوريات في السجون. لقد كانت التهمة التي وجهت للأستاذ محمود هي الردة عن الدين الإسلامي.. لقد كان الأستاذ محمود الشخصية الوحيدة التي تتم إدانتها بالردة بواسطة محكمة قام هو وتلاميذه بمقاطعتها وعدم الاعتراف بها.. لقد ارتجل الأستاذ محمود أمام تلك المحكمة الكلمة التالية:
((أنا أعلنت رأي مرارا ، في قوانين سبتمبر 1983م ، من أنها مخالفة للشريعة وللإسلام .. أكثر من ذلك ، فإنها شوهت الشريعة ، وشوهت الإسلام ، ونفرت عنه .. يضاف إلي ذلك أنها وضعت ، واستغلت ، لإرهاب الشعب ، وسوقه إلي الاستكانة ، عن طريق إذلاله .. ثم إنها هددت وحدة البلاد .. هذا من حيث التنظير ..
و أما من حيث التطبيق ، فإن القضاة الذين يتولون المحاكمة تحتها ، غير مؤهلين فنيا ، وضعفوا أخلاقيا ، عن أن يمتنعوا عن أن يضعوا أنفسهم تحت سيطرة السلطة التنفيذية ، تستعملهم لإضاعة الحقوق وإذلال الشعب ، وتشويه الإسلام ، وإهانة الفكر والمفكرين ، وإذلال المعارضين السياسيين .. ومن أجل ذلك ، فإني غير مستعد للتعاون ، مع أي محكمة تنكرت لحرمة القضاء المستقل ، ورضيت أن تكون أداة من أدوات إذلال الشعب وإهانة الفكر الحر ، والتنكيل بالمعارضين السياسيين))
ومنذ العام 1985 قام العديد من تلاميذ وأنصار الأستاذ محمود بالعيش في مناف خارج السودان.. وقد ازدادت وتيرة الخروج بصورة شديدة في النصف الثاني من عام 1989، عندما تمكنت الجبهة الإسلامية القومية من الوصول إلى السلطة عبر انقلاب عسكري؛ لقد كان للجبهة الإسلامية هذه صلة كبيرة بوضع التهم ضد الأستاذ وكان لها تاريخ طويل في معارضة فكر الأستاذ محمود بعنف.. لقد تعرض الجمهوريون لكبت السلطة وأجهزتها القمعية في داخل السودان، وهذا قد ضاعف من التهميش الذي يتعرضون له في المنفى..
هذا المركز الذي يُكَرَّس لذكرى الأستاذ محمود هو واحد من الآليات التي أراد بها تلاميذه مقاومة التهميش، وإبقاء إرث الأستاذ محمود متصلا، ولكي يجعلوا صوتهم مسموعا في عالم جائع لخطابات إيجابية عن الإسلام.. لقد وقف الأستاذ محمود من أجل الحرية في كل حياته، ولكن بصورة خاصة في كلمته الأخيرة أمام المحكمة.. لقد كان شعار تنظيم الأستاذ محمود هو "الحرية لنا ولسوانا". وفي كلمته الموجزة أمام المحكمة، قام الأستاذ محمود بالدفاع عن استقلال القضاء والدفاع عن مهنية القضاء وعن احترام القضاة ونزاهتم.. لقد دافع عن حقوق غير المسلمين، وعن الحق في المعارضة السياسية للحكومة، وعن حقوق المفكرين والمثقفين في حرية الفكر والتعبير. لم يكن الأستاذ مجاملا في مسألة حقه في الحرية، وعندما ووجه باختيار التخلي عن حقه في الحرية أو حقه في الحياة تقدم إلى الأمام ليلاقي الموت بالابتسام. لا يعرف الكثير من الناس حول العالم عن حياة وأعمال هذا الرجل المتفرِّد.. إن رسالة هذا المركز هي التعريف به وبدعوته التقدمية للإسلام..